::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات المشرف

 

 

المؤمن كالغيث.. نفعٌ كُلُّه (1)

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان (المشرف العام)  

 

شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن بأنه كالنخلة، يُستفاد من ورقها، ومن ثمرها، ومن حطبها، ومن كل شيء فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجمعٍ من أصحابه: "أخبروني عن شجرة مثلها مثل المؤمن، تُؤتي أكلها كل حين بإذن ربها لا تحتُّ ورقها"، يقول سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنه راوي الحديث: فوقع في نفسي أنها النخلة، فكرهت أن أتكلم وثمَّ أبو بكرٍ وعُمر رضي الله عنهما، فلما لم يتكلما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي النخلة".

شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن بالنخلة، لأنها نفعٌ كلها، فهي نافعة بثمارها، وأوراقها وجذوعها وظلها وليفها وشكلها وجمالها. والمؤمن يشبه بطبيعته تلك النخلة فهو أينما وقع نفع، هو نافعٌ بعلمه، نافعٌ بأخلاقه، نافعٌ بماله، نافعٌ بجاهه، نافعٌ بدعوته، نافعٌ بحديثه، نافعٌ بمنطقه.

من خصائص النخلة أنه لا يسقط ورقها صيفاً ولا شتاءً، فهو يفيد رطباً، ويفيد سعفاً، ويفيد في الظل، يفيد في الصيف ويفيد في الشتاء، والمؤمن بهذه المواصفات كلها يشبه النخلة لأنها متعددة المنافع.

 

˜ المؤمن كالنحلـة

وكذلك المؤمن بصفاته الحسنى وفضائله يشبه النحلة، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: "والذي نفسي بيده، إن مثل المؤمن كمثل النحلة، أكلت طيباً ووضعت طيباً ووقعت على عودٍ فلم تكسره ولم تفسده"، فشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن بالنحلة التي تمتص الرحيق من الأزهار النقية ثم تخرجه طعاماً طيباً عسلاً مصفًى سائغاً للشاربين، فلا تؤذي ولا تكسر العود الذي تقع عليه، فنفعها عام ومتعدٍ  إلى سائر البشر، كل الناس يستفيدون من النحلة ويأكلون عسلها ويستشفون به.

كذلك الإنسان عليه أن يفعل الخير كما قال تعالى: ((وافعلوا الخير لعلكم تفلحون))، وقال في وصف أصفيائه وأحبابه: ((وأوحينا إليهم فعل الخيرات))، فالأنبياء والأولياء والأتقياء والصلحاء لا يفعلون إلا الخير، وكذلك المؤمن الواجب عليه ألا يفعل إلا الخير، وأن يُحسن إلى الناس، وأن ينفع الناس بشتى أنواع النفع لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن أحب الناس  إلى الله أنفعهم للناس، فقال: "خير الناس أنفعهم للناس"، أنفعهم بالإحسان إليهم، أنفعهم بالإحسان بماله، أنفعهم بالإحسان بجاهه، والنفع لا يقتصر على السعي في قضاء الحوائج المادية فقط، لكنه يمتد ليشمل النفع بالعلم والرأي والنصيحة والمشورة والجاه والسلطان.

فالمؤمن يُنتفَعُ به بكل صفاته، لذلك من نعم الله على العبد أن يجعله مفتاحاً للخير والإحسان ومغلاقاً للشر، فقد جاء في الحديث عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عند الله خزائن الخير والشر، مفاتيحها الرجال، فطوبى لمن جعله الله مفتاحاً للخير ومغلاقاً للشر، وويلٌ لمن جعله مفتاحاً للشر ومغلاقاً للخير".

إذاً المؤمن نفاعة، ينبغي أن يحرص على أن يكون مفتاحاً للخير وأن ينال الأجر والثواب في نفع المسلمين، لأن الأجر الذي يأتي من نفع المسلمين أجرٌ كبير وعظيم، كما ورد في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلمٍ كربة فرج الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة" وفي زيادةٍ على هذا الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومن مشى مع مظلوم حتى يثبت له حقه ثبت الله قدميه على الصراط يوم تزل الأقدام".

إذاً، عندما يمشي المؤمن في حاجة أخيه سواء قضاها أو لم يقضها، سواء نفع المسلمين من جاهه أو علمه أو سلطانه أو رأيه أو أي نوعٍ من أنواع النفع فإن له بذلك أجراً عظيماً.

 

˜ نفع الناس من أسباب دخول الجنـة

السعي فيما ينفع الناس يكفي فخراً وشرفاً للمؤمن أنه من أسباب دخول الجنة ومن أسباب النجاة من النار، فالمؤمن عندما يمشي في حاجة أخيه، عندما يسعى لنفع الناس بشكل عام، ولو أن يزيل من طريقهم الشوك أو الحجر، فإن ذلك من أسباب دخول الجنة.

يروي الإمام البيهقي عن سيدنا أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: "الإيمان بالله" [فأطلق رسول الله الكلام، أي أن المؤمن ناجٍ من عذاب الله فقد صح في الحديث أن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة]، فقال سيدنا أبو ذر: قلت: يا رسول الله، إن مع الإيمان عملاً؟!. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يرضخ مما رزقه الله". [أي يعطي مما أعطاه الله وينفق ماله في سبيل الله]، فقلت: يا رسول الله، أرأيت إن كان فقيراً لا يجد ما يرضخ به؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذاً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر" [إذاً عمله هنا بلسانه، لا يتطلب منه مالاً ولا جهداً، إنما يأمر بالمعروف ويحث عليه وينهى عن المنكر]، فقال أبو ذر: يا رسول الله، أرأيت إن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يصنعُ لأخرق"، [والأخرق هو الإنسان الجاهل الذي لا يتقن صنعة يتكسب منها وليس عنده حرفة يستطيع العيش من ورائها، فيصنع له صنعة أو يقدم له عملاً أو أي شيءٍ من أنواع الخير يدله عليه]، قال أبو ذر: يا رسول الله، إن كان أخرق لا يستطيع أن يصنع شيئاً؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يعين مظلوماً"، [أي أن يساعد إنساناً مظلوماً ويقف  إلى جانبه ويكون عوناً له]، فقال أبو ذر: أرأيت إن كان ضعيفاً لا يستطيع أن يعين مظلوماً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر، ما تريد أن تترك في صاحبك من خير؟، إذاً ليمسك أذاه عن الناس" [فهذا آخر ما يمكن أن يفعله الإنسان مع الإيمان بالله تعالى أن يمسك أذاه عن الناس لا يتعرض لأذاهم] فقال: يا رسول الله، إذا فعل ذلك دخل الجنة؟؟. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مؤمنٍ يطلب خصلةً من هذه الخصال إلا أخذتُ بيده حتى أدخله الجنة، أو أخذتَ بيده يا أبا ذر حتى تدخله الجنة".

نلاحظ من هذا الحديث كيف تدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنواع الخير التي يفعلها الإنسان المؤمن من العطاء، أي أن يجود بالمال إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى مساعدة الناس بحرفة  إلى أن يقف عوناً للمظلوم، وآخر شيء أن يمسك أذاه عنه الناس فيكف عن أذاهم.

إذاً الغاية أن يكون المسلم نفاعة، أن يكون مع المسلم في كل أحواله ينفعه ويفيده ويبذل جهده أن يقف مع أخيه المؤمن فيما يستطيع أن يقدم له من خدمات.

فعلى المؤمن أن ينفع أخاه في كل الأمور التي يستطيعها ويقدر عليها.

أحياناً قد يكون النفع بكلمة، وأحياناً قد يكون بموقف يقف فيه  إلى جانب أخيه يسانده ويعاونه وينقذه من أزمة نفسية أو اجتماعية، كما قال الشاعر:

إني لأفتح عيني حين أفتحها          على كثيرٍ ولكن لا أرى أحداً

أي عندما أقع في أزمة أبحث عمن يعينني ويساعدني ويقف معي، ولو أن يعينني بالكلمة الطيبة، فلا أجد أحداً، ولكن عندما أكون ذا مالٍ وشهرة أجد الناس يلتفون حولي لينتفعوا هم من مالي وجاهي وسلطاني ومكانتي، فالمؤمن ينبغي أن يحرص على أن ينفع الناس ما استطاع ولو بشيء يسير.

 

"من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" فالجزاء من جنس العمل.

"من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة"، "من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة"، "أحب الناس  إلى الله أنفعهم للناس"، "أحب الأعمال  إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم ولو بكلمة طيبة" أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً.

"ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً" أي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث الصلاة الواحدة بألف صلاة، ويكفي فخراً أن تكون بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن أن تمشي مع أخيك المسلم لتقضي له حاجته خير لك من اعتكاف شهر كامل في مسجد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. "ومن كف غضبه ستر الله عورته".

فهذه مجموعة نصوص من رسول الله صلى الله عليه وسلم تحث خلاصتها على فعل الخير ومعونة المؤمن أخيه وأن يقف  إلى جانبه في كل الكربات التي تصيبه.

 

وللحديث صلة في مقال جديد بإذن الله تعالى...

 التعليقات: 2

 مرات القراءة: 7390

 تاريخ النشر: 20/06/2010

2013-08-01

اموله

جزاك الله خير

 
2010-06-21

علا عبد الله صبَّاغ

جزاك الله خيراً.. تعقيباً على الجملة "من خصائص النخلة أنه لا يسقط ورقها صيفاً ولا شتاءً..." أذكر الحديث التالي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له.. رواه مسلم.

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 873

: - عدد زوار اليوم

5406300

: - عدد الزوار الكلي
[ 55 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan