::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات المشرف

 

 

الطريق إلى الجنة (2)

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان "المشرف العام"  

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللّهم افتح علينا فتوح العارفين، ووفقنا توفيق الصالحين، واشرح صدورنا، ويسّر أمورنا، ونوّر قلوبنا بنور العلم والفهم والمعرفة واليقين، واجعل ما نقوله حجة لنا، ولا تجعله حجة علينا برحمتك يا أرحم الراحمين.

       

^ وصفُ الجنةِ وحالِ أهلها:

ذكرنا قول الله - جل جلاله - في الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر. فاقرؤوا إن شئتم: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين". صحيح البخاري.

فهذه هي الجنة...

إن سألت عن أرضها وتربتها فهي المسك والزعفران...

وإن سألت عن سقفها فهو عرش الرحمن...

وإن سألت عن بلاطها فهو المسك الإذفر...

وإن سألت عن حَصبائها فهو اللؤلؤ والجوهر...

وإن سألت عن بنائها فلَبِنةٌ من فضة ولبنة من ذهب، لا من الحطب ولا من الخشب...

وإن سألت عن أشجارها فما فيها شجرةٌ إلا وساقها من ذهب...

وإن سألت عن ثمرها فكأمثال القِلال[1]، وطعمها أحلى من العسل، وألين من الزُّبْد...

وإن سألت عن ورقها فأحسن ما يكون من رقائق الحُلَل[2]...

وإن سألت عن أنهارها فأنهارُها من لبن لم يتغير طعمه، وعسل مُصفّى، وخمر لذة للشاربين...

وإن سألت عن أبوابها فبين المصراعين من أبوابها مسيرة أربعين من الأعوام...

وإن سألت عن ظلها ففيها شجرة واحدة يسير الراكب المجدّ السريع في ظلها مئة عام لا يقطعها...

وإن سألت عن خيامها وقبابها فالخيمة من درة مجوّفة، طولها ستون ميلاً من تلك الخيام...

وإن سألت عن ارتفاعها فانظر إلى الكواكب الطالعة أو الغاربة في الأفق التي لا تكاد تنالها الأبصار...

وإن سألت عن فُرُشها فبَطَائنُها من إستبرق، مفروشة في أعلى الرُّتَب...

وإن سألت عن أرائكها فهي الأسرّة المطرّزة بأزرار الذهب...

وإن سألت عن طعام أهلها ففاكهةٌ مما يتخيّرون، ولحمُ طيرٍ مما يشتهون...

وإن سألت عن شرابهم فالتّسنيمُ والزنجبيل والكافور...

وإن سألت عن آنيتهم فالذهب والفضة في صفاء القوارير...

وإن سألت عن لباسهم فهو الحرير والذهب...

وإن سألت عن حُسن وجوههم فعلى صورة القمر...

وإن سألت عن سماعهم فغناءُ أزواجهم من الحور العِين، وأعلى منه وأرقى سماع أصوات الملائكة والنبيين، وأعلى من ذلك وأجل وأقدر سماع خطاب رب العالمين...

وإن سألت عن حُلِيِّهم وشارتهم فأساور الذهب، واللؤلؤ على الرؤوس ملابسُ التيجان...

وإن سألت عن غلمانهم فوِلدانٌ مُخَلَّدون كأنهم لؤلؤ مكنون...

وإن سألت عن عرائسهم وأزواجهم فهن الكواعب الأتراب، اللائي جرى في أعضائهن ماء الشباب، فللورد والتفاح ما لبسته الخدود، وللّؤلؤ المنظوم ما حوته الثغور، تجري الشمس في محاسن وجهها إذا برزت، ويضيء البرق من بين ثناياها إذا تبسّمت، لو أطلّتْ إحداهن على الدنيا لملأت ما بين الأرض والسماء ريحا، ولاستنطقت أفواه الخلائق تهليلاً وتكبيراً وتسبيحا، ولطمست ضوءَ الشمس كما تطمس الشمسُ ضوءَ النجوم، لا يفنى شبابها، ولا تَبلى ثيابها، ولا يَخلق ثوب جمالها...

وإن سألت عن السن فأتراب في أعذب سن الشباب...

وإن سألت عن الحسن فهل رأيت الشمس والقمر؟...

وإن سألت عن اللون فكأنه الياقوت والمرجان...

وإن سألت عن حسن الخُلُق فهن الخيرات الحِسان...

وإن سألت عن حسن العِشرة فهن العَروب المتحبّبات إلى الأزواج...

فما ظنكَ بامرأة إذا ضحكت بوجه زوجها أضاءت الجنة من ضحكها؟...

وإذا انتقلت من قصر إلى قصر قلتَ: هذه الشمس تنتقل في بروج فُلكها...

وإن سألت عن يوم المزيد، وزيارة العزيز الحميد، ورؤية وجهه المنزّه عن التمثيل والتشبيه، فإنك كما ترى الشمس في الظهيرة، والقمر ليلة البدر كما تواتر النقل فيه عن الصادق المصدوق... ذلك مرويّ في الصحاح والسنن المسانيد من رواية جرير، وصهيب، وأنس، وأبي هريرة، وأبي موسى، وأبي سعيد.

فاستمع يوم ينادي المنادي: يــا أهل الجنة! إن ربكم - تبارك وتعالى - يستزيركم، فحيّ على زيارته. فيقولون: سمعاً وطاعة، وينهضون إلى الزيارة مبادرين، فإذا بالنّجائب[3] قد أُعِدَّت لهم، فيستوون على ظهورها مسرعين، حتى إذا انتهَوا إلى الوادي الذي جُعل لهم موعداً وجمعوا هناك فلم يغادر الداعي منهم أحدا، أمر الرب - سبحانه وتعالى - بكرسيه فنُصب هناك، ثم نُصبت لهم منابرُ من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زَبَرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، وجلس أدناهم - وحاشى أن يكون بينهم دنيءٌ أو وضيع - على كثبان المسك ما يرون أصحاب الكراسي فوقهم العطايا، حتى إذا استقرت بهم مجالسهم، واطمأنت بهم أماكنهم نادى المنادي: يــا أهل الجنة! سلامٌ عليكم. فلا تُردّ هذه التحية بأحسنَ من قولهم: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام. فيتجلى لهم الرب - سبحانه وتعالى - يضحك إليهم ويقول لهم: يا أهل الجنة! أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يرَوني؟ فهذا يوم المزيد. فيجتمعون على كلمة واحدة يقولون: قد رضينا يا رب! فارضَ عنا. فيقول الله تعالى: يا أهل الجنة! إني لو لم أرضَ عنكم لم أُسكِنْكم جنتي، هذا يوم المزيد فَسَلوني. فيجتمعون على كلمة واحدة يقولون: أرنا وجهكَ ننظر إليه. فيكشف الرب - جل جلاله - الحُجُب ويتجلى لهم، فيغشاهم من نوره ما لو أن الله قضى ألا يحترقوا لاحترقوا. ولا يبقى في ذلك المجلس أحدٌ إلا حاضَرَه رب العالمين محاضرةٌ[4]، حتى إنه يقول لعبده مذكّراً إياه ببعض غدراته وذنوبه في الدنيا: يا فلان! أتذكر يومَ فعلتَ كذا وكذا؟ فيقول العبد: يا رب! ألم تغفر لي؟ فيقول: بلى. بمغفرتي بلَغتَ منزلتك هذه. فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة! ويا قرة عيون الأبرار بالنظر إلى وجهه الكريم في الدار الآخرة! يقول تعالى:[]وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)[] سورة القيامة. نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يجعلنا ممن يحظى بالنظر إلى وجهه يوم القيامة إذا نحن عملنا وأخذنا بالأسباب المؤدية إلى ذلك.

^ الأسباب الموجِبة لدخول المسلم الجنة (2):

كنا قد تحدثنا عن خمسة من الأسباب الموجبة لدخول الجنة، وهي: أ- قراءة القرآن الكريم بفهم وتدبر. ب- التقرب إلى الله - تعالى - بالنوافل بعد أداء الفرائض. جـ- دوام ذكر الله - تعالى - على كل حال. ء- إيثار مَحابِّ الله - تعالى - على مَحابِّك عند غَلَبات الهوى. هـ- مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته. وسنكمل حديثنا عن هذه الأسباب ونحن نتقلب في نعيم الجنة...

و- مشاهدة بر الله تعالى، وإحسانه، وآلائه، ونعمه الظاهرة والباطنة:

فإنها داعية إلى محبته سبحانه وتعالى. يقول تعالى:[]وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا...[] سورة النحل (18). أجل. نعم الله علينا كثيرة وعظيمة، والعبد أسير الإحسان؛ فالإنعام والبر واللطف هي معانٍ تسترقّ مشاعر الإنسان، وتستولي على أحاسيسه، وتدفعه إلى محبة من يسدي إليه النِّعم ويهدي له المعروف، ولا مُنعم على وجه الحقيقة ولا مُحسن إلا الله سبحانه وتعالى؛ فهو خالق النعم، ومُوْليها، ومُعطيها، والجائد بها، والمتكرم بها على عباده، وما على العبد إلا أن يشكر الله على هذه النعم.

والعقل يدل دلالة صحيحة - كما يدل النقل تماماً - على أنه لا نعمة إلا من عند الله، فإذا عرف الإنسان ذلك حق المعرفة علم أن المحسن إليه هو الله وحده وليس سواه، وأنواع إحسان الله لا يحيط بها حَصْرٌ. فعن أي نعمة نتحدث؟ عن نعمة العقل؟ أم نعمة البصر؟ أم نعمة السمع؟ أم نعمة الذوق؟ أم نعمة الحس واللمس؟ أم نعمة أعضاء الإنسان وجوارحه؛ كاليدين، والرجلين، والطن، والظهر...؟ أم عن الأجهزة التي خلقها الله - سبحانه وتعالى - في باطن كل إنسان؛ كجهاز السمع، وجهاز الهضم، وجهاز التنفس، والأجهزة الداخلية التي تعمل عملها سراً، ومن أدقّها الدورة الدموية التي تسير عند الإنسان بانتظام فلا تخطئ أبدا. أليس كل ذلك نعماً لا تعد ولا تحصى؟؟ عن أي نعمة نتحدث؟ عن نعمة الصحة والعافية؟ أم نعمة الدين والإيمان والإسلام، وأننا بُعِثنا في أمة خير الأنام سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام؟ عن أي نعمة نتحدث؟ والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من أصبح آمناً في سِرْبه، مُعافىً في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا". رواه الترمذي. هذه نعم عظيمة لا يمكن أن يعدّها عادٌّ؛ لأنها متنوعة، لكن الله - سبحانه وتعالى - الذي أعطانا هذه الهبات الضخمة قال لنا:[]وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ[] سورة الأعراف (10). وهذا أمرٌ - حقيقةً - يثير الخجل والحياء عندما نتذكره، فالله - تعالى - دعانا إلى شكر نعمائه، فبالشكر تدوم النعم، لكننا عندما قصّرنا في شكر هذه النعم سُلِبت منا شيئاً فشيئاً لعدم معرفة حق الله فيها، وحق الله فيها أن نشكرها حق شكرها. فشكر النعم يقيدها بقيد بحيث لا تذهب عنا أبداً. فلنشكر الله على ما أكرمنا به من النعم؛ فشكر الله، ومشاهدة بره وإحسانه، ومعرفة عظيم نعمه وآلائه أحد الأسباب التي تؤدي بنا إلى دخول الجنة إن شاء الله تعالى.

ز- انكسار القلب بكلّيته بين يدي الله سبحانه وتعالى:

وهو من أعجب الأسباب. والانكسار هنا يعني الخشوع والتذلل والسكون. يقول الله سبحانه وتعالى:[]...وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا[] سورة طه (108). الخشوع هنا الضراعة، وأكثر ما يُستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، أما الضراعة فأكثر ما تستعمل فيما يتعلق بالقلب، وإذا ضرع القلب خشعت الجوارح، والخشوع معنىً يجتمع من التعظيم، والمحبة، والذل، والانكسار لله تعالى.

لقد كان لسلفنا الصالح - رضي الله عنهم - في خشوعهم بين يدي الله أحوالٌ عجيبة، تدل على ما كانت عليه قلوبهم من الصفاء، والنقاء، والطهر، والانكسار، والذلة.

فيروى أن سيدنا عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - كان إذا قام في الصلاة كأنه عودٌ زُرِع في الأرض من الخشوع، لا يتحرك ولا يميل يميناً أو شمالاً، وكان يسجد فتنزل العصافير على ظهره، وتقف مرتاحة مطمئنة لا تظنه إلا جزءاً من حائط؛ لأنه كان يعرف أن يناجي الله سبحانه وتعالى، والذي يناجي الله لا يتحرك. وقد ذكرنا في القسم السابق من هذه الكلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام الليل كله بآية واحدة، وهي قوله تعالى:[]إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[] سورة المائدة (118). لأنه شعر بتأثير كلام الله سبحانه وتعالى وعظمته.

ويروى أن سيدنا علياً بن الحسين - رضي الله عنهما - كان إذا توضأ اصفرّ لونه، فقيل له: ما الذي يأخذك عند الوضوء؟ فقال: "أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟". إنه يريد الوقوف بين يدي الله، والوقوف بين يدي الله يحتاج إلى استحضار واستشعار لهيبة الله سبحانه وتعالى، لذلك كان سلفنا - رضي الله عنهم - يشعرون هذا الشعور.

إذاً.. فالذلة، والخضوع، والضراعة، والافتقار، والمسكنة من الأسباب التي تؤدي بالعبد المسلم لدخول الجنة إن شاء الله تعالى؛ لأن العبد عندما يرى نفسه ضعيفاً لا يجرؤ على إيذاء أحد، وعندما يرى نفسه ذليلاً لا يجرؤ على التكبر على أحد، وعندما يجد نفسه متضرعاً خائفاً لا يجرؤ أن ينشر الرعب أو الخوف في قلب أي إنسان؛ لأنه يستشعر يقيناً أنه بين يدي الله، فلا قوي، ولا جبار، ولا متكبر إلا الله تبارك وتعالى. يقول تعالى:[]يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ[] سورة فاطر (15). ويقول تعالى مخاطباً سيدنا موسى في طور سيناء: "يا موسى! لا تسلني بما في خزائني. قال: يا رب! وماذا في خزائنك. قال: خزائني مملوءة عزاً، وجبروتاً، وعَظَمة، واستكبارا. فقال: يا رب! وبماذا أسألك؟ قال: يا موسى! سَلْني بالذل والافتقار، والحيرة والانكسار، فأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي". هذه الخصائص لله وليست للإنسان. ويقول الله - تعالى - أيضاً: "العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدة منهما قصمته ولا أبالي". فالذي ينكسر قلبه بين يدي الله، ويتصاغر، ويتذلل، ويتواضع، ويمرغ خديه ساجداً بين يدي ربه، ويعلن لربه أن لا رب إلا هو، وأن لا فاعل في الكون إلا هو، وأن لا مؤثر في الكون إلا هو، الذي يفعل ذلك تزول الحجب بينه وبين ربه، وتصبح حاله كحال عبد الله بن الزبير، وعلي بن الحسين رضي الله عنهما وأرضاهما، وكحال كثير من السلف الصالح الذين إذا وقفوا في الصلاة ينسون الدنيا وما فيها.

ح- الخلوة مع الله - تعالى - في الثلث الأخير من الليل:

والتفرغ في هذا الوقت - وقت النزول الإلهي - لمناجاة الله سبحانه، وتلاوة كلامه، وحضور قلبه، والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك كله بالاستغفار، والتوبة، والإنابة إليه. وقد وصف الله - تعالى - عباده في هذا الوقت بقوله:[]تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ[] سورة السجدة (16). أولئك القوم الذين سُمُّوا بأصحاب الليل، وأصحاب الليل حقيقةً هم أهل المحبة لله، وهم من أشرف أهل الجنة؛ لأن قيامهم بالليل بين يدي الله - تعالى - يجمع لهم كل أسباب المحبة من قراءة للقرآن، وذكر لله تعالى، وإنابة، ودعاء، واستغفار، وتضرع، وكل ما يتعلق بأدب الخطاب مع الله تبارك وتعالى. لذلك ليس غريباً أو عجيباً أن ينزل أمين السماء سيدنا جبريل - عليه السلام - على أمين الأرض سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويقول له: "واعلم أن شرفَ المؤمن قيامُه بالليل، وعزَّه استغناؤُه عن الناس". أيّ شرف بأن يتخلى المسلم المؤمن عن فراشه في الساعات التي يشعر فيها بلذة النوم؟ فيصحو، ويتوضأ، ويقبل على الله - تعالى - تالياً للقرآن، راكعاً، ساجداً، داعياً، مستغفراً، مسبحاً، مهللاً، مصلياً ومسلماً على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

سيدنا الحسن البصري - إمام التابعين رحمه الله ورصي عنه - يقول: "لم أجد من العبادة شيئاً أشد من الصلاة في جوف الليل". ففيها شدة على النفس، وقهر لها، وسيطرة عليها. فقيل له: فما بال المجتهدين من أحسن الناس وجوهاً؟ فقال: "لأنهم خلوا بالرحمن فاكتسبوا من نوره". هذا النور الذي يتنزل في الثلث الأخير من الليل حيث يقول الله تعالى: "هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟". مسند أحمد. وذلك حتى يطلع الفجر. فهذه اللحظات التي تسبق الفجر - وهي لحظات السَّحَر - فيها الخير العظيم، والبركة، وتنزُّل الأنوار من الله تعالى، فلْنحاولْ أن نعيش مع أولئك الصالحين في تلك اللحظات لننال من شرف وفضل قيام الليل كما ينالون في كل أوقاتهم وأيامهم.

ط- مجالسة الصالحين:

والاستماع إلى أطايب ثمرات كلامهم وتعلّمها، فكما أن أحدنا يحب أن يأكل أطيب الطعام فإنه يحب أن يسمع أطيب الكلام. يقول أحد الصالحين: "كنا نجالس أقواماً ينتقون أطايب الكلام كما تنتقون أطايب الطعام". أي لا يتكلمون إلا كلاماً طيباً، حسناً، فيه معروفٌ وإحسان. يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضل مجالسة الصادقين والصالحين والمحبين فيما يرويه عن الله - سبحانه وتعالى - في الحديث القدسي: "وجبت محبّتي للمتحابّين فيّ، و المتجالسين فيّ، و المتزاورين فيّ". صحيح ابن حبان. الله - سبحانه وتعالى - يجود بمحبته على من تحابّ فيه، فالمحبة يجب أن تكون في الله، ولله، وعلى الله، لا لأجل مصالح، ولا لأجل دنيا. ومجالسة الصالحين توجب محبة الله سبحانه وتعالى؛ لأننا عندما نجلس لنكون من زمرة الصالحين فإننا نتلقى كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ونقرأ سير الصالحين وأخبارهم، فتتنور عقولنا وقلوبنا، ونحرص أن يزداد سلوكنا استقامة على شرع الله. وعندما تزور أخاً لك في الله إن كانت زيارتك لله وليس هناك قصد آخر فإنك ستفوز بمحبة الله.

النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل أوثق عُرى الإيمان أن نحب في الله، وأن نبغض في الله، فكما أن المحبة تكون في الله، كذلك البغض ينبغي أن يكون في الله، فنبغض فلاناً لأنه يرتكب المعاصي، أما إن أبغضناه بسبب خلاف معه فإن هذا البغض لا يكون في الله. فعلينا أن نحرص أن تكون محبتنا محبة المسلم لأخيه المسلم في الله، لأن محبتنا عندما تكون في الله ولله تكون ثمرة لصدق الإيمان وحسن الخلق، وتكون في الوقت نفسه سياجاً واقياً يحفظ الله به قلوبنا، ويشدّ فيه إيماننا؛ حتى لا يتفلّت أو يضعف. فلنحرص على مجالسة الصالحين، والاستماع إلى أطايب كلامهم، لِنتعلمَ منهم أقوالهم التي تزيدنا إيماناً، وثباتاً، وخشوعاً، ورسوخاً.

ي- مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله:

فالقلب إذا فسد فلن يجد المرء فائدة فيما يصلحه من شؤون دنياه، ولن يجد نفعاً أو كسباً في أخراه إن ظل هذا القلب فاسداً. يقول تعالى:[]يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)[] سورة الشعراء. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صَلَحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". متفق عليه. فعلى صلاح القلب مدار الأمور كلها، وفيه تنويرٌ لحياة المسلم، وإصلاحٌ لها، فإن صلح قلبه صلحت جوارحه، واستقامت أحواله، وكان من عباد الله الأتقياء الصالحين. فلنحرص على إصلاح قلوبنا، ولْنَعرضها كل يوم على الميزان الذي جعله الله - سبحانه وتعالى - في القرآن الكريم لمعرفة حقيقة قلوبنا إذا كانت قلوباً قاسية صلبة، أو هيّنة ليّنة. يقول الله تعالى:[]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[] سورة الأنفال (2). هذه الصفات: خوف القلب، وزيادة الإيمان، وصدق التوكل على الله تعالى، هي علامات المؤمن الحقيقي. فإذا أراد المؤمن أن يعرض قلبه في كل ليلة وكل يوم فعليه أن يعرضه على هذا الميزان الصادق الحقيقي. فهل تخشع قلوبنا وتضطرب وتخاف إذا ذُكر الله تعالى؟ أو أننا لا نبالي إذا ذُكر كلام الله، ولا نتأثر به، ولا ينتابنا ذلك الخشوع الذي كمان ينتاب عبادَ الله الصالحين؟؟

^ دعاء:

اللهم أصلح أحوالنا وفساد قلوبنا، ونوّر قلوبنا بنور الإيمان، وبنور العلم والمعرفة واليقين، اللهم إنا نسألك أن تدخلنا الجنة بغير حساب ولا عقاب، اللهم اجعلنا أهلاً لدخول الجنة، وأهلاً لتَنَزُّل رحماتك ومغفرتك ورضوانك، اللهم اشمَلنا في جملة عبادك المغفور لهم يا رب العالمين، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.



[1] القلال: جمعُ قُلَّة: وهي الشجرة العظيمة الضخمة.

[2] من رقائق الحلل: أي من نفائس الثياب الحرير.

[3] النجائب: وسائل الركوب.

[4] أي كلّمه تكليماً.

 

اقرأ أيضاً

الطريق إلى الجنة (1) اضغط هنا    

 

 

 

 

  

 التعليقات: 0

 مرات القراءة: 3202

 تاريخ النشر: 05/11/2009

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 1456

: - عدد زوار اليوم

5421184

: - عدد الزوار الكلي
[ 68 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan