::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات المشرف

 

 

الطريق إلى الجنة (1)

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان "المشرف العام"  

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللّهم افتح علينا فتوح العارفين، ووفقنا توفيق الصالحين، واشرح صدورنا، ويسّر أمورنا، ونوّر قلوبنا بنور العلم والفهم والمعرفة واليقين، واجعل ما نقوله حجة لنا، ولا تجعله حجة علينا برحمتك يا أرحم الراحمين.

        الحديث عن الجنة حديث ذو شجون، ووصف الجنة وما ورد فيها من آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، كل ذلك مما يشجع العبد المؤمن على العمل من أجل الفوز بها، والتّنعّم بنعيمها. والجنة - وقد ورد عن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رب العزة - جل وعلا - قوله: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر. فاقرؤوا إن شئتم: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين". صحيح البخاري. فالجنة فيها نعيم أبدي مُقيم، أعده الله - سبحانه وتعالى - لعباده الصادقين الصالحين، فماذا أعد عبادُ الله للفوز بهذه الجنة؟ وهل عملوا بما يوجِب دخولهم إليها؟؟؟

^ محبة الله ورسوله - عليه الصلاة والسلام - سبب كافٍ لدخول الجنة:

أخرج الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن سيدنا أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "بينما أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - خارجَين من المسجد فلقينا رجلاً عند سدة المسجد، فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما أعددتَ لها؟ قال: فكأن الرجل استكان، فقال: يا رسول الله! ما أعددتُ لها كبيرَ صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فأنت مع من أحببت". متفق عليه. يقول سيدنا أنس: "فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: فأنت مع من أحببت". لأن هذه المحبة هي للنبي صلى الله عليه وسلم، ومُحب النبي - صلى الله عليه وسلم - يرافقه في الجنة، والنبي - عليه الصلاة والسلام - أيضاً يحب أن يرافق أحبابه في الجنة.

الإمام ابن قيّم الجوزية - رحمه الله تعالى - عندما تحدث عن المحبة قال: "المحبة هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شَخَص العاملون، وإلى عملها شمّر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبِرَوح نسيمها تروّح العابدون، وهي قُوْتُ القلوب، وغذاء الأرواح، وقرّة العيون، وهي الحياة التي من حُرِمَها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فَقَده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عَدِمَه حلّت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام. تاللهِ لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة إذ لهم من معيّة محبوبهم أوفرُ نصيب".

أجل أيها الإخوة الأحباب! إن من يعلّق قلبه بالله سبحانه وتعالى، وبسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تهون دونه كل الأمور، وبعد أن يتذوّق لذّة المحبة لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -  ينسى كل لذة عرفها في الدنيا.

^ الأسباب الموجِبة لدخول المسلم الجنة (1):

أيها الإخوة القراء! من أراد أن يرقى من منزلة المحب لله إلى منزلة المحبوب من الله عليه أن يَحرِصْ على تحقيق الأسباب الموجبة لذلك، فتعالوا بنا لنبحث في الأسباب العشرة التي ذكرها الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه العظيم "مدارج السالكين"، وجعلها عشرة أسباب لدخول الجنة، ومن سعى لنيل الجنة فلا بد أن يتّصف بهذه الصفات العشر، وهي:

أ- قراءة القرآن الكريم بفهم وتدبر:

ليس مجرد قراءة تصفح، ولا قراءة الانتهاء من جزء تلو جزء تلو جزء آخر... إنما قراءة تدبرٍ، وتَفَهُّمٍ، وتَبَصُّرٍ بمعانيه، ومراميه، ومقاصده. فمن أحبّ أن يكلّمه الله - تعالى - فلْيُقْبِلْ على القرآن، ولْيقْرأْ كتاب الله، كما قال سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما: "إنّ مَن كان قبلكم رأوا القرآن رسائلَ من ربهم، فكانوا يتدبّرونها بالليل، ويتفقّدونها بالنهار". هكذا فهم الأوائل القرآن العظيم، فهو عبارة عن رسائل من الله - سبحانه وتعالى - إلينا، فكانوا في الليل يقرؤونها بتدبر، وتمعن، وخشوع، وخضوع. وفي النهار يتفقدونها، أي يتعبدون الله بها.

أيضاً الإمام ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - يقول: "ينبغي لقارئ القرآن أن ينظر كيف لَطَفَ الله - تعالى - بخلقه في إيصاله معاني كلامه إلى أفهامهم. وأن يعلم أنّ ما يقرؤه ليس من كلام البشر، وأن يستحضر عَظَمة المتكلم - سبحانه وتعالى - بتدبر كلامه". ما أعظم هذا الكلام وأروعه وأجمله! أن نتدبر هذه الآيات، ونقف عند الأوامر والنواهي والحدود، ولا نتجاوز ما أمر الله - سبحانه وتعالى - به.

الإمام النووي - رحمه الله تعالى - عبّر عن المعنى نفسه عندما قال: "أول ما يجب على القارئ أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى". فأول ما ينبغي فعله عندما نقرأ القرآن هو أن نعتقد أننا في حالة خطاب ومناجاة مع الله سبحانه وتعالى، لا حالة منافسة من يقرأ جزءاً أو جزأين، ختماً أو ختمين! فمن أحب أن يكلّم الله ويخاطبه ويناجيه فليقرأ القرآن، ولْيُجَرِّبِ الإنسان وليتذوق لذة مناجاة الله، ولْيَقِسْ هذه المناجاة بمناجاة الناس؛ أيهما أشد لذة وأعظم راحة للنفس. فعندما يخاطب الإنسان أخاه الإنسان ربما يخطئ في حقه، ويتجاوز حدوده، وربما يسيء إليه فيُضطر إلى الاعتذار، وربما يخطئ فتنقطع بينهما أواصر المحبة والمودة، بل والقُربى أحياناً، أما عندما نقرأ في كتاب الله تعالى - ولله المثل الأعلى - فلا نقرأ إلا وحياً وصدقاً، ولا نجد في كلام الله - تعالى - إلا وعظاً وتوجيهاً، وتربية وتدريباً، وتعويداً لنا على الإيمان الصحيح، وصدق الاتباع لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ونعلَم ونتعلم أن كل ما فيه خير لنا في ديننا ودنيانا.

كان رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يُكثر من قراءة سورة واحدة يستجلب بها محبة الله - سبحانه وتعالى - وعطفه عليه، ألا وهي "سورة الإخلاص" التي فيها صفة الرحمن، صفة الوحدانية، صفة الربوبية، حيث لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. ظل هذا الرجل يردّد سورة الإخلاص في صلاته وأحواله كلها، فلما سُئل عن ذلك قال: "لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها". فلما أُخبِر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعمل ذلك الرجل من أصحابه قال لهم: "أخبِروه أن الله يحبه". متفق عليه. وذلك لأنه يحب هذه الصفات في الله سبحانه وتعالى، ويحب هذه السورة، فيقرؤها بتمعن وتدبر، ويعي كل مفردة من مفرداتها، وما تدل عليه من المعاني.

فينبغي أن نعلم أن المقصود من القراءة للقرآن إنما هو التدبر والتفكر، فإن لم يحصل التدبر والتفكر إلا بكثرة ترداد الآية فلنرددها مرات ومرات كما كان سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يفعلون. وبعض الناس لا يستطيع أن يستوعب الآية من المرة الأولى، فيحتاج إلى ترديدها مرات عديدة، ويستعين بكتب التفسير والتأويل وأسباب النزول حتى يفقهها يدرك معناها. فمن كانت هذه حاله فإنه - ولا شك - سينتقل من محبة الله إلى أن يكون محبوباً منه سبحانه وتعالى، وهي درجة أرقى وأعظم وأسمى بكثير.

يروي سيدنا أبو ذر الغفاري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قام ليلة كاملة بآية واحدة، وهي قوله تعالى:[]إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[] سورة المائدة (118). لقد بقي يرددها، ويعيدها، ويكررها، إلى أن قضى الليل كله وهو يتفكر في معاني هذه الآية العظيمة من سورة المائدة. وقوله "إن تعذبهم فإنهم عبادك" هو تفويض مطلق يعلن فيه ربنا - سبحانه وتعالى - أن الخلق كلهم عبيد له. وقوله: "فإنك أنت العزيز الحكيم" يحقق جانب التوازن في هذه الآية؛ التوازن ما بين التفويض المطلق في أمر العباد وتركه لله سبحانه وتعالى، والطمع بمغفرته جل وعلا، وأن عباده جميعاً مفتقرون إلى مغفرته، وعفوه، وصَفْحِه، ورضوانه.

ويروى عن سيدنا تميم بن أوس الداري - رضي الله عنه - أنه قام الليل كله بآية واحدة، وهي قوله تعالى:[]أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ[] سورة الجاثية (21). أي إن الله - سبحانه وتعالى - لن يجعل مصير أولئك الذين يرتكبون السيئات كمصير المؤمنين الذين يعملون الصالحات، بل إن هناك فرقاً كبيراً بين من عمل، وجد، واجتهد في دنياه قاصداً رضا الله سبحانه وتعالى، وبين من غرق في المعاصي، والملذات، والشهوات، ولا يبالي برضا الله تبارك وتعالى.

إذاً.. فلْنُقْبِلْ على كتاب الله سبحانه وتعالى، ولْنخاطبْ ربنا حتى ننتقل من درجة محبتنا له إلى محبته لنا.

ب- التقرب إلى الله - تعالى - بالنوافل بعد أداء الفرائض:

فإن النوافل توصِل إلى درجة المحبوبية بعد المحبة. جاء في الحديث القدسي عن رب العزة جل وعلا قوله: "من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب[1]، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحبَّ إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ". صحيح البخاري. يبين ربنا - سبحانه وتعالى - في هذا الحديث أن العبد المؤمن يزداد قرباً إلى الله بأدائه للنوافل، ويبين لنا صنفين من الناجين الفائزين يوم القيامة؛ الصنف الأول: هو المحب لله الذي يؤدي فرائضه ويقف عن حدوده. الصنف الثاني: هو المحبوب من الله الذي يتقرب إليه بالنوافل بعد أداء الفرائض. وهذا ما أشار إليه الإمام ابن القيم بقوله: "فإن النوافل موصِلة إلى درجة المحبوبية بعد المحبة". هذا مقامٌ عالٍ جداً، هو مقام أولياء الله، ويطمح إليه كل مؤمن. وقد يسر لنا الله - سبحانه وتعالى - سبيله بأن دعانا لأداء الفرائض، ثم أن نتقرب إليه بأداء النوافل حتى يحبه، ومن أحبه الله - سبحانه وتعالى - رزقه محبته، وأكرمه بطاعته، وجعل له حظوة عنده.

إن النوافل التي أشار إليه الله في الحديث القدسي، والتي يتقرب بها العبد إليه هي أنواع، وللخلاصة: هي كل زيادة على الفرائض التي فرضها الله تعالى؛ كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. هذه الأركان الأساسية والفرائض الرئيسة، فمن زاد عليها من جنسها فإن الله يحبه، كمن زاد على الفرائض في الصلاة، فصلى قيام الليل، والضحى، والأوابين، والتهجد. وكمن زكّى فأخرج مما افترضه الله عليه، ثم زاد على النسبة المفروضة فأكرم الفقراء والمساكين والمحتاجين، وساهم في دعم المشاريع الخيرية. وكمن صام الفريضة، ثم صام الإثنين والخميس، وصام الأيام المباركة كيوم عرفة مثلاً، وصام الأيام التي جاء النص بفضلها عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكمن أدى الحج الذي افترضه الله - سبحانه وتعالى - على القادر والمستطيع، ثم بعد ذلك أدى العمرة، وتنسّك فيها، وتقرب إلى الله بحجٍّ نفل أو عمرةٍ نفل... فهذه أنواع كثيرة من النوافل والقربات التي يحظى العبد فيها بمحبة الله سبحانه وتعالى.

جـ- دوام ذكر الله - تعالى - على كل حال:

بالقلب واللسان، والحال والمقال، فمن أراد أن يحظى ويفوز بمحبة الله - سبحانه وتعالى - فلْيكثرْ من ذكره، ولْيجعلْ لسانه دائماً رطباً بذكر الله. يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله - عز وجل - يقول: أنا مع عبدي حيثما ذكرني وتحركت بي شفتاه". صحيح البخاري. فطالما أن العبد يذكر الله - تعالى - ويحرك لسانه بذكره فإن الله يذكره في ملأ خير من ملئه، ومجلس خير من مجلسه تحفه الملائكة الأطهار الأبرار المقربون من الله، وهذا ما قصده ربنا - سبحانه وتعالى - بقوله:[]فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ...[] سورة البقرة (152). ويقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبق المُفَرِّدون. قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات". صحيح مسلم. فالذين يُفْرِدون الله - تعالى - بالذكر ولا ينسونه هم السابقون والفائزون. ويقول النبي - عليه الصلاة والسلام - مبيّناً خسارة من لا يذكر الله تعالى: "ما قعد قوم مقعداً لا يذكرون الله فيه ويصلّون على النبي إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة، وإن أدخلوا الجنة". صحيح ابن حبان. فإنّ أهل الجنة في الجنة يتحسّرون على الأنفاس التي فاتتهم في دنياهم لم يذكروا فيها الله سبحانه وتعالى. ويقول عليه الصلاة والسلام: "ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة". سنن أبي داود. بي داود. أي إن ذلك المجلس يكون مُنتناً وقذراً، له رائحة كريهة، ويتحول حسرة وندامة عليهم؛ لأنه لم يُذكر فيه الله سبحانه وتعالى. فلنراجع أنفسنا، كم وكم من المجالس التي نجلسها لا نذكر فيها الله تعالى، ولا نصلي فيها على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! لا شك أن هذه المجالس تشكونا وتئنّ منا لبعدنا عن الله، وجفائنا في حق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا، فبابٌ نتمسك به جامع. قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله". مسند أحمد. أي لا تضيع وقتك، ولا تدّخر جهدك إلا وأن تذكر الله سبحانه وتعالى، وتقضي وقتك كله في الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد فهم الصحابة - رضي الله عنهم - تلك الوصية وفقهوا معناها، حتى أن سيدنا أبا الدرداء بلغه أن رجلاً أعتق مئة نَسَمة[2]. فقال: "إن مئة نسمة من مال رجل لكثير، وأفضل من ذلك إيمان بالليل والنهار، ولا يزال لسان أحدكم رطباً من ذكر الله عز وجل". فسيدنا أبو الدرداء يرى أن الذكر الدائم لله - تعالى - يساوي ويعادل من أعتق في سبيل الله مئة نفس اشتراهم من العبودية، فحررهم في سبيل الله تعالى. وكان سيدنا أبو الدرداء - رضي الله عنه - يقول: "الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك". لأنه فاز فوزاً عظيماً، وكان سبب فوزه أن استثمر وقته، وأعمل لسانه في ذكر الله سبحانه وتعالى.

ء- إيثار مَحابِّ الله - تعالى - على مَحابِّك عند غَلَبات الهوى:

والتطلّع إلى محابه وإن صعب المرتقى، أي أن يحرص الإنسان على فعل ما يرضي الله - تعالى - ويحبه وإن كان في ذلك صعوبة. وهذا أمر طبيعي؛ فالجنة حُفَّت بالمكاره، وأما النار فأحيطت بالشهوات. فالذي يريد أن يدخل الجنة ويفوز بها عليه أن يواجه تلك الشدائد من هوى النفس وطغيانها وشهوتها، وكل ذلك شديدٌ وشاقٌّ على النفس، وليس أمراً هيناً ولا ليناً، وهذا ما عبر عنه الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في شرحه لهذه العبارة بقوله: "إيثار رضا الله - تعالى - على رضا غيره، وإن عظُمت فيه المحن، وثقلت فيه المؤن، وضعف عنه الطول والبدن". فعلى الإنسان أن يحرص على رضا الله ولو أسخط بذلك الناس؛ فإن من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، وأما من أسخط الله برضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، وهذا ما نجده في واقعنا عند كثير من الناس الذين يُعانون في حياتهم من اليأس والإحباط والقنوط، ويرون أن لا صديق ولا محبّ ولا مُناصر لهم، بل يرون كل الناس قد انقلبوا ضدهم، وما ذلك إلا لأنهم نسوا أنهم كانوا حريصين على رضا الناس على حساب رضا الله سبحانه وتعالى. ودرجة الإيثار أعلاها للرسل عليهم الصلاة والسلام، وأعلاها من بين الرسل لأولي العزم منهم، وأعلاها من بين أولي العزم من الرسل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهو الذي كان يؤثر رضا الله على رضا غيره، وكان يحرص على ذلك نَيلاً لمرضاته ولو أغضب الناس جميعاً.

إن إيثار رضا الله على رضا الآخرين، وتقديم محابه على محاب غيره لا يكون إلا بثلاثة أمور: قهر هوى النفس، ومخالفة هواها، ومجاهدة الشيطان. فما بين قهرٍ للنفس، ومخالفة لهواها، ومجاهدة للشيطان يستطيع الإنسان أن يؤثر رضا الله - سبحانه وتعالى - على رضا غيره. فالمسلم يحتاج إلى الخوف من الله، وإلى نهي النفس عن الهوى، فإذا كانت نفسه تهوى وهو يهواها كان نهيُه هذا عبادةً لله تعالى، وعملاً صالحاً، وتقرباً إلى الله.

هـ- مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته:

مشاهدتها، ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة، وتنعّمه في معرفة هذه الصفات. فمن عرف الله - تعالى - بأسمائه وصفاته وفِعاله أحبَّه لا محالة. وهذا ما عبر عنه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "لا يوصف بالمعرفة إلا من كان عالماً بالله تعالى، وبالطريق الموصلة إليه". كثيراً ما نسمع عن أناس عارفين بالله تعالى، كالشيخ عبد الغني النابلسي، والشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ أحمد الرفاعي، والشيخ محي الدين بن عربي... هؤلاء نالوا درجة المعرفة بالله لأنهم علموا اللهَ - تعالى - بصفاته وأسمائه وأفعاله، وسلكوا الطريق الموصلة إلى الله. فلا يوصف بالمعرفة إلا من كان عالماً بالله وبالطريق الموصلة إليه، ومن كان له حالٌ مع الله تشهد له بالمعرفة، ومن صدق الله في معاملته، وأخلص له في قصده ونيّته. بهذه الأمور كلها يستطيع الإنسان أن يصل إلى لدرجة المعرفة بالله سبحانه وتعالى، وأن يكون من العارفين به. فمن ابتعد عن صفات الله وأسمائه فقد هدم أساس الدين والإسلام، وابتعد عن شجرة الإحسان التي هي باب من أبواب الدخول في باب العرفان.

ثبت وصح عن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن لله تسعة وتسعين اسماً، مئة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة". متفق عليه. ولكلمة "أحصاها" مدلولات كثيرة، أدناها: من حفظها، وأبعدها وأعظمها: من أحصاها بالإيمان بها، وبما عليه الله - تعالى - من هذه المعاني والصفات؛ كالرحمن، والرحيم، والعادل، والقدوس، والسلام، والمؤمن، والمهيمن، والعزيز، والجبار، والمتكبر... سبحان الله عما يشركون. فمن أحصى أسماء الله وصفاته، وعدّها، وحفظها، وفهم معناها، وعمل بمقتضاها فإن الله - تعالى - يبشّره بدخول الجنة.

^ دعاء:

نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يجعلنا من عباده الأولياء، والعارفين، والصادقين الذين يؤْثِرون محابه على محابهم، ورضاه على رضائهم. ونسأله أن يكرمنا بالتغلب على أهوائنا، والإكثار من ذكره والمداومة عليه في الحال والمقال، والقلب واللسان. ونسأله أن يجعلنا ممن يتقرب إليه بالنوافل حتى يحبنا. اللهم إنا نسألك أن تدخلنا الجنة بغير حساب ولا عقاب. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار. اللهم رضّنا وارضَ عنا، وإلى غيرك لا تَكِلْنا، وارضَ عنا رضاءً لا سخط بعده، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

ذكرنا خمسة أسباب من الأسباب الموجبة لدخول الجنة، وللحديث تتمة إن شاء الله - تعالى - مع الأسباب الخمسة المتبقية...

 



[1] وفي هذه الجملة يبين لنا الله - سبحانه وتعالى - مقام أوليائه الصادقين، وأنه لا يجوز الاعتداء عليهم، أو مبارزتهم ومحاربتهم، لذلك علينا أن نحسن العلاقة والصلة مع عباد الله الصالحين، وأن نحرص على برهم، وودهم، والفوز بقربهم؛ لأن نظرات الله - سبحانه وتعالى - تشملهم على الدوام.

[2] مئة نسمة: مئة نفس.

 

اقرأ أيضاً

الطريق إلى الجنة (2) اضغط هنا       

 

 

 

 

 

 التعليقات: 1

 مرات القراءة: 2890

 تاريخ النشر: 07/10/2009

2009-10-15

علا عبد الله صبَّاغ

في دوام ذكر الله... ينصب حول العرش منابر من نور عليها أناس وجوههم نور ولباسهم نور ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء.. قيل:من هم يا رسول الله؟ قال المتحابون في الله ..-اعذروني لا أعرف تخريج الحديث- وفي مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته أقول.. يارب ندعوك بأسمائك كلها بما نحب، فإذا وقع ما نكره تركنا اختيارنا ورضاءنا إلى رضائك ولم نخالفك في ما تحب

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 36

: - عدد زوار اليوم

5413634

: - عدد الزوار الكلي
[ 46 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan