wwww.risalaty.net


مرحلة الشباب وخطورتها..


بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان (المشرف العام)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللّهم افتح علينا فتوح العارفين، ووفقنا توفيق الصالحين، واشرح صدورنا، ويسّر أمورنا، ونوّر قلوبنا بنور العلم والفهم والمعرفة واليقين، واجعل ما نقوله حجة لنا، ولا تجعله حجة علينا برحمتك يا أرحم الراحمين.

^ الشباب .. أخطر مراحل الحياة، وأعظم ثروة على الإطلاق:

        مرحلة الشباب من أخطر المراحل التي يمر بها الإنسان ضمن مراحل عمره، والتي تبدأ بالطفولة، مروراً بالشباب، وانتهاءً بالشيخوخة. هذه المرحلة هي مرحلة الحيوية والإنتاج، المرحلة الممتلئة بالحماس، المتميزة بالعزم، الحافلة بالنشاط، مرحلة القوة بين ضَعفين؛ ضعفِ الطفولة، وضعفِ الشيخوخة، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله سبحانه وتعالى:[]اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ[] سورة الروم (54). القوة التي بعد الضعف الأول وقبل الضعف الثاني هي مرحلة الشباب، ومن هنا كانت أهمية هذه المرحلة وأهمية العناية بها وتوجيهها؛ حتى لا تضلَّ الطريق ولا تَضيْعَ هذه الثروة التي هي أغلى الثروات على الإطلاق.

        ثروة الشباب أعظم غنىً وأكثر ثراءً من أي شيء له قيمة في هذه الدنيا. ثروة الأمم ليست في المدّخر في باطن الأرض، ولا في المنشور على ظاهرها، إنما ثروتها الحقيقية بما تمتلك من قوة في شبابها. ربما يتصور البعض أن الثروة الحقيقية تكون في المعادن الثمينة، كالذهب والفضة والألماس... لكن الثروة الحقيقة هي الإنسان، والثروة الحقيقة التي ينبغي أن نستثمرها عند الإنسان هي مرحلة الشباب. الإنسان هو أعظم ثروة، والشباب هو العنصر الأهم في هذه الثروة الإنسانية.

^ إذا أردت أن تعرف مستقبل أمة فانظر إلى شبابها:

إذا أردنا أن نعرف مستقبل أمة من الأمم فلْننظرْ إلى موقع شبابها فيها، ما الذي يشغل الشباب ويمهمّهم في هذه الأمة؟ ما هي مُثُلُهم العُليا؟ ما هي أهدافهم في الحياة؟ ماذا يصنعون؟ فيمَ يفكّرون ويخطّطون؟ بأي شيء يحلمون؟ علامَ تدور أمورهم في مجالسهم وندواتهم؟؟ هذا ما ينبغي أن نسال أنفسنا عنه بشكل مستمر إذا أردنا لهذه الأمة أن تكون قوية وثريّة.

ما أحوجنا نحن - معاشرَ العرب والمسلمين - أن نعرف دور الشباب فينا، وأهمية هذه المرحلة التي يسأل الله سبحانه وتعالى عنها وخاصة يومَ القيامة حينما تُنصَب الموازين، وتُنشَر الدواوين، ويقوم رب العالمين بالحساب والسؤال، وتعرضُ الأعمال وتُنصب السجلاّت أمام الناس.

^ الشباب من أهم ما نُسأل عنه يومَ المحشر:

هناك أربعة أسئلة رئيسة تُعرَض على كل واحدٍ منا يوم القيامة، وهذا ما عبّر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع؛ عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به". سنن الترمذي. كيف أبليت شبابك؟ فيمَ أنفقت أيامك؟ هل ضيّعتها فيما يغضب الله سبحانه؟ أو أنك بدّلت ذلك بالحسنات، فكنت ممن يطيع الله ويرتاد المساجد، ويسعى في سبيل إعلاء كلمة الحق والدين؟ هل أمضيت هذه المرحلة في لهو ومعصية وغفلة وإعراض عن الله سبحانه وتعالى؟ أو أنك كنت مستثمراً لطاقتك وفتوتك وهمتك، فكنت تحفظ القرآن، وتدرس حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وكنت تدعو إلى الله تعالى بحالك ومقالك، وتغار على حرمات الله، وتحرص أن يقوم دين الله تعالى على الوجه الأمثل؟؟ نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون جميعاً من الذين استثمروا شبابهم فيما يرضيه.

^ إن لم تكن من الناشئين في الطاعة فكن من التائبين المقبلين عليها:

هناك من قضى شبابه منذ نشأته في طاعة الله، وفّقه الله تعالى فنشأ في بيئة صالحة، لم تعرف المعصية طريقها إليه، ولم يتورط في ارتكاب الكبائر، ولم يفرّط في الفرائض والواجبات، فكان من السبعة الذين يظلّهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح بقوله: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله... وشابٌّ نشأ في عبادة الله". صحيح البخاري. لكن هذا لا يعني أن نغلق الباب على من تورّط في المعاصي، أو وقع في الغفلة، أو عاش فترة من حياته في حالة من الإعراض عن الله سبحانه وتعالى، فانزلق أو غوى أو ضلّ أو انصرف يميناً أو شمالاً، فباب التوبة مفتوح، ولا يجوز لنا أن نغلقه في وجه أحد، والشاب التائب المُقبِل على الله هو من أحب الناس إلى الله تعالى.

ليس غريباً أن يقع الإنسان في المعصية أو في ذنب من الذنوب، إنما العجيب أن يستمرئ الإنسان طريق المعصية والذنوب ويجدها سهلة هيّنة لينة، ولا يرجع إلى ربه سبحانه وتعالى قارعاً بابه تائباً نادماً مستغفراً أوّاباً قائلاً كما قال أبوه آدم وأمه حواء من قبل:[]رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[] سورة الأعراف (23). إذا كان أبونا آدم وأمنا حواء قد عادا إلى ربهما سبحانه وتعالى، فما بال الواحد منا إذا وقع في المعصية يستسهلها ويستمر فيها ويصرّ على الصغيرة حتى تتحول إلى كبيرة؟؟ ليست المشكلة أن تزل القدم بالإنسان فيقع في معصية ثم يستغفر ويتوب ويُقبِل على الله سبحانه وتعالى، ويذرف الدمع بين يديه، لكن المشكلة الحقيقية أن يستمر أحدنا في المعصية الصغيرة حتى تنقلب إلى كبيرة، ثم يجد الكبيرة أمراً سهلاً وهيناً.

من لم ينشأ في طاعة الله فليكن من الصنف الآخر؛ صنف التائبين، المقبلين على الله سبحانه وتعالى الذين وصفهم ربنا سبحانه بقوله:[]...إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ[] سورة البقرة (222).

^ مرحلة الشباب مسؤولية علينا أن نُعنى بها:

        الشباب مرحلة هامة وخصبة من مراحل عمر الإنسان، ولهذا يجب أن نُعنى بها، فمن المسؤول عنهم؟ هل نحمّل المسؤولية للأسرة (الآباء والأمهات)؟ أو للإعلام؟ أو للثقافة؟ أو للصحافة؟ أو للمسرح؟ أو للسينما؟ أو للتلفزيون؟؟ لا شك أن المسؤولية هي مسؤولية الجميع على الإطلاق. هذه حقيقة وعلينا أن نعترف بها جميعاً، كلّنا مسؤولون، ابتداءً من الآباء والأمهات إلى أعلى المستويات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها". صحيح البخاري. هي مسؤولية الجميع، لا يصح أبداً أن نستثني أحداً من حَمْلها.

        هي مسؤولية الشاب نفسه أولاً ما دام بالغاً عاقلاً راشداً مكلّفاً، ألم يقل الله سبحانه وتعالى:[]كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ[] سورة المدثر (38). فهو مرهون بعمله، ومحاسَب بهذا العمل الذي يؤديه، إن خيراً يُثابُ عليه، وإن شراً يُعاقَب، أو نفوّض هذا الأمر لله سبحانه وتعالى لعله يتوب على الخلق أجمعين. اللهم! إنا نسألك توبة صادقة تقبلها منا يا رب العالمين.

ثم هي مسؤولية الأسرة (الأب والأم) قبل أن يشبّ وبعد أن يصبح شاباً، لا بد من الرعاية والتوجيه عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها". صحيح البخاري. فلا ينبغي أن يكون كل هَمّ الآباء أن يوفّروا لأبنائهم الطعام والشراب مما لذَّ وطاب، ويوفروا لهم أحسن الثياب، و السيارات الفاخرة، والمساكن العامرة، وأن يملؤوا جيوبهم بالنقود ينفقونها حيث شاؤوا وكيف شاؤوا دونما مراقبة أو محاسبة أو متابعة.

كثير من الآباء يظن أنه بهذا العمل قد برّ ابنه وأحسن إليه، إذ يهتم بأمور دنياه ولا يسأل عن دينه، لا يسأل عن صلاته، ولا عن أخلاقه، ولا عن صحبته وأصدقائه، أين يسهر ويقيم، متى يعود إلى البيت، أصلى الفجر أم لم يُصَلِّ، إن لم يعطِ الأب ولده مالاً والابن ينفق يميناً وشمالاً فمن أين يأتي بهذه الأموال؟ أمصدرها حلالٌ أم حرام؟ أهي من مصدر رزق تَعِبَ فيه، أم أنه جناها نتيجة تلاعُب أو حِيَل أو أفاعيل لا ترضي الله سبحانه وتعالى؟؟ فعلينا أن نحاسب أبناءنا ونسألهم عن مصدر أموالهم إن لم نقدّم لهم النفقة، علينا أن نحاسبهم على الصلاة إن قصّروا فيها، علينا أن نتابعهم في واجبهم المدرسي. فعندما يكون الولد تحت عين المراقبة ويتابعه أبواه في كل أمره، فإنهما بذلك يحقّقان مسؤوليتهما الكاملة عن أولادهما.

كذلك الأم، يجب أن تراقب بناتها في المدرسة، وتراقبهن مع صديقاتهن واتصالاتهن الهاتفية، تراقبها في ذهابها وعودتها، من كلّمها، من وقف في وجهها، من اعترض طريقها ولماذا فعلوا ذلك، ينبغي أن تكون الأم صديقة ابنتها والمسؤولة عنها، ومتابعة لكل خطوة من خطوات حياتها,.

إذاً على الأب المسؤول عن الأسرة أن يحاسب أولاده ويراقبهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بذلك إذ يقول:[]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ...[] سورة التحريم (6).

أيها الأب! أيتها الأم! أنتما مسؤولان عن أبنائكما وبناتكما، لا يكفي أن توفّرَا لهم المطالب المادية، ولا يكفي أن تهتمّا بالواجبات الأسرية، بعض الأبناء والبنات اليوم لهم متطلّبات خاصة، بعضها أساسي وبعضها ترفيهي، فيسعى الأب والأم جاهدَين لتحقيق هذه المطالب لأبنائهم دون متابعتهم ومحاسبتهم عند التقصير.

أيها الأب! أيسرّك أن يتعلم ابنك ويحصل على أعلى الشهادات ويتسلم أرقى المناصب، ثم يكون مصيره في النهاية إلى النار وبئس المصير؟! هل يرضى أحد ذلك لولده؟! فالأب إن كان قد ضيّع ولده، فلم يسأل عن دينه، ولا عن عقيدته، ولا عن صلاته وعبادته، ولا عن أخلاقه وسلوكه، فإنه - ولا شك - أهملَه وكأنه عبّدَ له الطريق وسهّلها إلى النار وبئس المصير.

^ واجبنا في ملء الفراغ الذي يعيشه شبابنا بما ينفعهم وينفع أمتهم:

علينا أن ننظر إلى هذه المسألة بجدّيّة، فلا ننظر إلى المطالب المادية على أنها هي وحدها المطلوب توفيرها، بل قد يكون في هذا التوفير خطر على أبنائنا، قد يكون في إعطائهم ما يشاؤون من نفقات وأموال ولباس وتفاخر وتكاثر، وهم لا يُحسِنون التصرف فيما نعطيهم، قد يكون في ذلك الخطر؛ كل الخطر، والشر؛ كل الشر، كما قال الشاعر أبو العتاهية في أرجوزته المشهورة:

إنّ الشَّبابَ والفراغَ والجِدى[1]      مَفسـدةٌ للمرءِ أيُّ مفسدة

الشباب يعني القوة والنماء والحيوية، والفراغ يعني أن يعيش الشباب فراغاً في الوقت، وفراغاً في النفس، وفراغاً في المسؤولية، وفراغاً في الشعور بتكوين الذات، شعور تكوين الذات لا يوجد عند كثير من الشباب، فلا يشعر أنه يكوّن ذاته ويبني نفسه للمستقل ويُعِدّها إعداداً جيداً. نرى كثيراً من الشباب اليوم في سن القوة والعطاء لا يعرف ماذا يريد في هذه الحياة، فهو ضائع تائه، يسعى وراء الموضة والملذّات الشخصية، ولا يحدد لنفسه هدفاً في عمل مادي أو تجاري، أو أخلاقي أو سلوكي، ومن باب أولى يكون قد ضيّع دينه وأمانته التي حمّله الله تعالى إيّاها. فاجتماع الهمة والشباب مع الفراغ والمال، مع حرية التصرف دونما محاسبة تنتج الفساد، والانحلال الأخلاقي، والميوعة، والتّخلي عن العلم والثقافة، والجهل، والفوضى في المجتمع، وتنتج كثيراً وكثيراً من الأمراض التي يعاني منها الناس في حياتهم اليومية.

لذلك من المهم جداً أن نملأ فراغ الشباب، ولا ندع أوقاتهم ولا نفوسهم ولا اهتماماتهم فارغة، علينا أن نعمرها بالخير ونشغلها بأنشطة متعددة، سواء كانت رياضية أو ثقافية أو ترويحية للنفس أو أنشطة دينية. هؤلاء الشباب من أبناء ديننا وجلدتنا وعروبتنا، وعلينا أن نستثمر طاقتهم في عمل دعوي، أو عمل ثقافي، أو عمل أخلاقي ينعكس خيره على المجتمع كله.

علينا أن نربط هؤلاء الشباب بأهداف كبيرة يعيشون بها ولها، ويحيَون لأجلها، ونبدع لهم مشاريع يحملونها ويقاتلون من أجلها، ويسعون بكل ما أوتوا من قوة أن يحققوا هذه المشاريع، كأن يكون لهم أندية ثقافية، ومجال في تطوير ذاتهم، ومشروع في التفوق، سواء كان دراسياً أو علمياً أو مادياً إنتاجياً، المهم أن يكون لهؤلاء الشباب همة نستثمرها في مصلحة الأمة، ورحم الله من قال: "ربّ همَّةٍ أحيتْ أمّة". فلربما تحيي حركة الشباب الأمة من سُباتها ونومها، ونحن نعلم أنه من خصائص هذه الأمة أنها تنام لكنها لا تموت. تنام وترقد وقد يطول نومها، لكنها لا تموت، فيها إحساسٌ نابض، وقلب حي، وإيمان متوقد دائم. ولا بد أن تبقى الأمة هكذا تولّد لنا الشباب القوي المنتج الذي يستثمر أوقاته كلها فيما ينفع أمته ووطنه ومجتمعه.

^ شبابنا اليوم في خطر:

أ- خطر الفراغ، فلا رسالة ولا هدف:

للأسف إن معظم شبابنا يعيشون حالة من الفراغ، ولا يجدون من أهلهم من يشجعهم على ملء الفراغ، ولا يجدون من المجتمع من يستثمر الطاقة الموجودة عندهم، فراغ في الأوقات، فراغ في النفوس، فراغ في المعتقدات، فراغ في الأهداف والغايات، نفوس فارغة من المثل العليا والأهداف العظمى ومن القيم التي كان يحملها أمثالهم من شباب صدر الإسلام الأول.

ننظر اليوم إلى شبابنا ونرى أنهم يعيشون بلا رسالة وبلا هدف، ويسعون إلى تعطيل أوقاتهم، فمنهم من يقضيها في النوم، ومنهم في التّسكّع؛ فنرى كثيراً من الشباب أيام الدراسة يمشي في الطرقات أمام مدارس البنات، يمشي يميناً وشمالاً لا هدف عنده إلا أن يقضي وقته فيما لا ينفع. فيتساءل من يرى هؤلاء الشباب أو حتى الشاب نفسه عندما يكون مبتلى بهذه الظاهرة: ما هذا الفراغ والضياع؟! وما هذه اللامبالاة التي تظهر من أمة مهزومة مقهورة غلبها أعداؤها؟؟

الآن أمتنا العربية والإسلامية مغلوبة ومهزومة ومستضعفة، وتقدَّمَ أعداؤها عليها تقنياً، وتكنولوجياً وعلمياً وفي كل شيء، ولا زلنا نفاخر ببقية باقية فينا ألا وهي عقيدتنا وديننا الذي لا نتخلى عنه، وأخلاقنا التي جاء بها الإسلام العظيم. وإن أخشى ما أخشاه أن تنسلخ منا هذه الأخلاق شيئاً فشيئاً، ويوماً بعد يوم، حتى نصبح بلا أخلاق ولا عقيدة، ويصبح الدين كأنما هو ثقافة يتلقاها الناس محاضرات وندوات وتنقلها الفضائيات، لكنّ الناس لا يتأثرون بهذا الكلام.

ب- خطر الانحراف بالفضائيات الفاسدة وعدم الانتفاع بالصالحة منها:

        الشباب اليوم يفتقد حسن التوجيه، ويفتقد المصدر الذي يجد فيه هذا التوجيه الصحيح أمام فضائيات منتشرة هنا وهناك، تقدّم له نماذج وعيّنات من الفساد والانحراف السهل. الانحراف لا يحتاج إلى مشقة، إنما الإصلاح هو الذي يحتاج إلى البذل والمشقة والجهود المضنية، لذلك فإن الفضائيات الفاسدة تعمل عملها في عقول وأفكار شبابنا، فيَضِلّون ويَفسُدون وينحرفون بسهولة.

لو قلنا: القناة الفلانية تبث درساً للعالم الفلاني، ومحاضرة للشيخ الفلاني، وفتاوى للعالم الفلاني من البلد الفلاني، ويتابع الناس هذه البرامج ويُقبِلون عليها. ما الفائدة؟ كثير من الناس يقضون أوقاتهم في المتابعة دونما فائدة، وقلة قليلة هي التي تندفع وتنعكس آثار هذه الدروس والتوجيهات على من يسمع، أما البقية الباقية فمجرد ثقافة واطّلاع، إن لم يكن البعض الآخر يتابعها للنقد والانتقاد ووضع الملاحظات: أخطأ العالِم الفلاني، لم يفلح في هذه المسألة، ليته لم يذكر كذا وليته ذكر كذا... وهكذا سائر الأوقات.

هي أمة مهزومة ومغلوبة ومقهورة من واجبها أن تحزن وتبكي على نفسها، وأن يسعى شبابها إلى النهوض بمستواها وتغيير أحوالها من الحال التي هي فيه إلى حالٍ أفضل.

جـ- خطر المخدّرات:

ندوات كثيرة عُقِدت في بلاد شتّى، كانت الشكوى المتكررة والإحصاءات والأرقام عن الشباب الذين يتناولون المسكرات والمخدّرات ويتعاطون السموم، كانت أرقاماً كبيرة ومذهلة، وخاصّة في منطقتنا العربية. كَثُرَ الشباب الذين يتناولون المسكرات والمخدرات والسموم القاتلة، ويضيّعون أوقاتهم في لهوٍ ولعب من غيرما فائدة ونتيجة.

ء- خطر استهداف شبابنا من قِبل الأعداء كونهم أغلى ثروة:

هناك إحصاءات كثيرة وأرقام مذهلة ظهرت عن شباب أمتنا العربية والإسلامية، وأعداؤنا يركّزون دائماً على المنطقة العربية؛ لأنها منطقة خصبة مليئة بالثروات، وهم يسعون إلى استلاب ثرواتنا وخاصة ثروة الشباب التي هي أغنى الثروات كما أسلفت في المقدمة. فإذا كانت أرضنا مليئة بالخيرات والثروات فإن أعظم ثرواتها هم الشباب؛ لِما يمتلكون من طاقة وفكر وقّاد وحيويّة وهمّة معطاءة، ولِما يمتلكون من سرعة إقبال على الله سبحانه وتعالى. حينما وصف الله تعالى الشباب قال:[]...إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى[] سورة الكهف (13). أي إن الشباب إذ يُقبِل على الله تعالى يُقبل بكلّيته ويكون له أثر كبير وعظيم في بناء هذه الأمة وتصحيح مسارها.

هـ- خطر سماسرة الشباب:

إن من أخطر ما يعاني منه جيل الشباب في زماننا هذا هو ظهور سماسرة للشباب يسوقونهم للفساد والإفساد في كل بلد يكون فيه الشباب، في بلاد العرب والغرب والشرق الأقصى والشرق الأدنى، حيث يذهب الشباب إلى هناك للسياحة والسفر، ويذهبون في رحلات ربما تكون مختلطة بين الشباب والبنات، نجد أن هناك سماسرة يتلقّفون هؤلاء الشباب من سُلَّم الطائرة، ويجرّونهم إلى الفواحش وأماكن الفساد. وهذا مخطط رهيب لإفساد شبابنا العربي والإسلامي الذي يذهب إلى البلاد الأوربية والأمريكية والأسيوية ليقضي جزءاً من وقته في فسحة، فإذا به يذهب ويعود وقد تدمّرت أخلاقه وتحطّمت نفسيّته.

^ ما السبيل إلى إصلاح شبابنا؟

الشباب الذي أصبح همه اليوم أن يسمع الأغاني وأن يقلّد الممثلين والمغنّين الأجانب، وأن يلبس في عنقه سلسلة ويضع في يده سلسلة ذهبية وخاتماً ذهبياً، لا يميز بين الحلال والحرام، ولا يعرف شيئاً من الواجبات، الشباب الذي أصبح ضائعاً تائهاً مضيّعاً للحقوق والواجبات، أنّى له أن يصلح لنهضة هذه الأمة؟! هذا واقع، وعلينا أن نذكره كي نبحث له عن علاج، وهذا العلاج ربما يكمن في:

أ- القدوة الحسنة:

حينما نقرأ اليوم تراجم الصحابة الشباب الذين نشؤوا في صدر الإسلام كسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، سيدنا أسامة بن زيد، محمد بن محمد القاسم الثقفي، محمد الفاتح، عقبة بن نافع، حينما نطّلع على تراجم هؤلاء الشباب، ونعلم أعمارهم التي لم تتجاوز العشرين، وأنهم كانوا قد سطّروا في صفحات التاريخ أياماً مضيئة وصفحات ساطعة لا تزال إلى يومنا هذا، فإننا نفتخر بهم ونرفع رؤوسنا عالياً حينما نقرأ عن سيرهم وأخبارهم.

الشباب الأول في صدر الإسلام هم الذين فتحوا البلاد، هم الذين سادوا الحُكم في العالم بالحكمة، والعدل، والإنصاف، والمحبة، والتسامح والأخلاق الفاضلة، نشروا العدالة والإيمان، نشروا العلم والإحسان، حفظوا القرآن ونقلوه إلى العالم، نشروا السنة النبوية ونقلوها إلى الدنيا شرقِها وغربها، انطلقوا إلى الأرض، المصحف بيدٍ والسيف بيد أخرى، لا يبتغون إلا رضا الله ونشر الإسلام وإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى. كانت لهم مُثُلٌ عليا وأهداف عظيمة يعيشون لها ومن أجلها، لم يكن همّهم الشهوات ولا المرأة، ولا الطاس والكاس والليالي الحمراء التي يضيّعون فيها الوقت والمال وزهرة الشباب...

فيما يأتي سنذكر بعض سير سلفنا الصالح من شباب هذه الأمة، كيف كان لكل واحد منهم مكانة ودور عظيم وبارز في قيادة سفينة هذه الأمة.

1- سيدنا أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه:

قاد سيدنا أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه جيشَ الإسلام المتّجه إلى بلاد الشام وفيه شيوخ الصحابة، وكان عمره ثمانية عشر عاماً. لنقارنْ أبناء ثماني عشرة سنة في زماننا هذا مع أبناء ثماني عشرة سنة في صدر الإسلام الأول...

2- محمد بن القاسم الثقفي:

إذا انطلقنا قليلاً إلى الأمام سنجد أن محمداً بن القاسم الثقفي رحمه الله تعالى فتح بلاد الهند عن طريق السند، انطلق من الجزيرة العربية إلى بلاد لا يعرفها يقود جيشَ المسلمين لينشر راية الإسلام ويبلِّغ الدعوة الإسلامية. كان عمره سبعة عشر عاماً.

3- عقبة بن نافع:

عقبة الذي كان ذا همة عالية وفتح مدينة القيروان، وفَتْحُ مدينة القيروان كان أمراً عجيباً من الأمور التاريخية، ووصل إلى ما وراءها وهو البحر الممتد بلا حدود، ووقف أمام البحر مخاطباً له بعد أن توضّأ بمائه وغسل حافر خيله به: "والله يا بحر! لو علمتُ أن وراءك أرضاً بارزة لخضتك حتى أبْلُغَها وأقيم فيها دولة الإسلام". كان عمره عشرين سنة.

4- محمد الفاتح:

        محمد الذي فتح القسطنطينية، وقضى على دولة الرومان البيزنطية، واستطاع أن ينقذها بعد أن استمرت عهوداً طويلة تحت الحصار، كان قد سمع أثناء طفولته حديثاً عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه: "لَتَفْتَحُنَّ القسطنطينية، ولنِعمَ الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش". مسند أحمد. عندما سمع محمد هذا الحديث كان فتىً صغيراً، فتعلّق قلبه منذ طفولته أن يناله نصيبٌ أوفى من هذا الحديث، فحقق الله له ما أراد، وكان نعم القائد ونعم الفاتح الذي أكرمه الله تعالى بفتح القسطنطينية على يديه.

        هكذا يكون الشباب؛ شباب لهم آمال وأهداف، ويخطّطون... فماذا يصنع شبابنا اليوم؟ ولأي شيء يصلحون مما صَلُحَ له شبابنا الأوائل؟ بماذا يفكّرون؟ هل هدف شبابنا الآن كما كان هدف شبابنا من السلف الصالح؟

        الشباب اليوم بحاجة إلى القدوة الصالحة، فهل نجدها في البيت؟ أو في المدرسة؟ أو في المجتمع؟ أو في الجامعة؟ أو في الأمة بشكل عام؟ للأسف القدوة الصالحة اليوم قلّما توجد، سواء كانت في البيت أو في المدرسة أو في المجتمع بشكل عام، لم يعد الأب نفسه قدوة صالحة للأولاد، ولم يعد المدرّس قدوة صالحة للتلاميذ، ولم يعد التاجر قدوة صالحة للزبائن. وهكذا فسد المجتمع.

ب- البيئة الصالحة:

        نحن بحاجة إلى بيئة صالحة تساعد الشباب على أن ينموَ نموّاً حسناً. ولا بدّ أن نكرّس تكوين هذه البيئة الصالحة في كل مكان. علينا أن نسعى إلى جمع شمل الشباب، وإلى ربطهم بالقدوة الصالحة من أمثال مَن ذَكَرْنا من هؤلاء الأبطال الأقوياء الأشدّاء. علينا أن نُكْثِر من ترسيخ هذه المعاني في نفوس أبنائنا وشبابنا؛ حتى يكون لهم قدوة صالحة يقتدون بها.

^ دعاء:

        اللهم! اجمع أمر شبابنا على ما يرضيك، واجعلهم من خيرة الشباب، وكأسلافهم إيماناً وعلماً وعملاً وجهاداً في سبيلك، إنك سميع قريب مجيب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.



[1] الجدى: وفرة المال.