wwww.risalaty.net


هل يتحمل الغرب شقاء العرب والمسلمين


بقلم : د. هبة رؤوف عزت

صدر عن مركز الناقد في دمشق كتاب

(هل يتحمل الغرب شقاء العرب والمسلمين)

للمؤلف الكاتب علاء الدين آل رشي / المدير الإعلامي لمركز الناقد الثقافي..

في ما يلي دراسة عن الكتاب بقلم الدكتور هبة رؤوف عزت

أستاذة العلوم السياسية في كلية الاقتصاد جامعة القاهرة.

إدارة الموقع

 

 

 

الدكتورة هبة رؤوف عزت

 

على سبيل التقديم

الحوار والجوار والمسار:

ملاحظات قبل القراءة...وأفكار لما بعدها

 

هذا كتاب يستحق القراءة في موضوع يستحق الاجتهاد، لكاتب قرر أن يقف في المساحة بين شقي الرحى وأن يقدم رؤية مغايرة ويفتح باباً للاجتهاد.

ومشكلة علاء الدين كما عرفته منذ سنوات بعيدة أنه يقف في المنزلة بين المنزلتين وفي المساحة بين الطرفين، ويحب الوسطية والاستقامة، لذلك فإن خطابة لا يعجب أهل اليمين ولا أهل اليسار، وقدر أصحاب هذا الخيار أن يعيشوا كالغرباء وأن يعانوا من المخالفين الذين لا يستطيعون وضعهم في خانة أو تصنيفهم فيسعون لتهميشهم وتجاهلهم، فيبقون كالمغرد خارج السرب...شهداء.

هذا الكتاب يسعى لوضع أسس واضحة لمسار الحوار مع الغرب، لا تنحاز للنموذج الغربي باعتباره السبيل الوحيد للنهضة، ولا تنحاز لواقعنا فتدافع عنه بدون تحفظ، فيبدأ بالنقد الذاتي ويمر بالكشف عن تحيزات الغرب وينتهي بالدعوة لمسار جديد للحوار باتجاه علاقة مختلفة أكثر عدالة وندية.

اختار الكاتب أن يكون نصه نصاً تحريضياً على التفكير.. لا على التكفير، ونصاً تنويرياً للعقول التي ألفت التناقض الثنائي فلم تعد تفكر بطريقة أكثر عمقاً وإنصافاً.

ويأتي نشر هذا الكتاب في مرحلة من العلاقة بين الإسلام والغرب عادت بنا مرة أخرى من سياسات الشراكة لمحض سياسات الجوار الاقتصادية والسياسية (كما في فشل عملية برشلونة التي امتدت عشر سنوات بين العرب وأوروبا ولم تؤت ثمارها فصعد الحديث عن اتحاد المتوسط الذي يفرض من القيود بأكثر من الفرص)، ومن تناسي المرحلة الاستعمارية لاحتلال مباشر دخل بنا في مرحلة الاستعمار الجديد.

من هنا فإنه ينبغي التأكيد على أمرين لاستكمال الصورة الحوارية والتواصلية مع الغرب التي يرسمها هذا الكتاب بعمق وتوازن:

الأمر الأول: أن نظرية للحوار مع الغرب لا يمكن أن تنفك عن نظرية متضافرة معها للمقاومة للاستعمار، فتلك ليست مسارات متوازية بل مسار واحد متراكب، ولا انفصال بين سنة التعارف وسنة التدافع، السؤال يصبح متى وكيف وبأية أدوات ومن المنوط بهم كل مهمة وكيف يمكن تحديد مقصد الحوار ومقصد المقاومة في إطار مشروع أكبر للنهضة بأدوات متعددة تحدد المنطق الكامن في كل فعل لينتظم في توازن..وقسط

الأمر الثاني: أن البعد الاقتصادي لا ينفصل عن البعد سياسي والثقافي، ففي ظل عولمة الرأسمالية لم يعد الحوار مع الغرب محض تواصل لتصحيح الصورة أو التشارك في المعاني والمفاهيم بل صار يقف على منصة غربية من العقلانية النفعية لا تنشد الفهم بقدر ما تحسب حسابات الربح والخسارة، لذا فإن الحوار مع الغرب يبدأ من نقطة عدم توافق في الغايات، ففي حين يمثل السياسي والثقافي والتاريخي هاجساً مركزياً في العقل العربي والمسلم فإن العقل الغربي يركز على الآني والنفعي والاستراتيجي، ومن هنا تنبع مشكلات وأزمات الحوار.. لاختلاف المنطق والفلسفة وبنية العقل.

لكن أزمة الحوارات أحياناً وبشكل مباشر قد لا تكون بهذا العمق، فخبرة حوار الحضارات والأديان بل والحوارات السياسية تدل على أن عملية الحوار لا تبدأ بوضوح الغاية والاتفاق على قواعد الحوار، ولا يدري المرء حين تتم دعوته لندوة أو مؤتمر من الذي رشح الاسم ولا من حدد الأجندة ولا لماذا تم توفير التمويل وبأي معايير تم اختيار المكان.

كما ذكر الكاتب هنا نحن مدعوون لمناقشة قضايا لم نحدد أولوياتها وضيوف على مائدة لم نحدد موقعها على خريطة العالم، والاستثناء هو مؤتمرات الحوار التي تعقد في بعض الدول الخليجية التي تملك توفير الموارد اللازمة لعقد اللقاءات وتنظيم الحوارات، وهناك لا يخلو الأمر من حسابات وتوازنات.

يحتاج الأمر منا إلى البحث بشكل عملي في خبرات الحوار ودروسها، أنواع الحوارات التي تمت والدروس التي تعلمناها، أمثلة النجاح وتجارب الإخفاق وفقه الأزمات الذي نتعلمه من تجارب أزمة سلمان رشدي مروراً بالرسوم الدنماركية وانتهاءً بتصريحات البابا عن الإسلام، وهو جهد قام به بشكل منظم مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات الذي تأسس في كلية الاقتصاد بجامعة القاهرة عام 2002م،  والذي نشر العديد من الدراسات القيمة حول خبرة حوار الحضارات ومسارات التفاعل مع الغرب تستحق الإشادة..والقراءة الدقيقة.

لكن هناك موضوعين غابا عن خريطة الموضوعات التي تناولها علاء الدين في هذا الكتاب، الأول هو تراجع دور حتمية الجغرافيا مع العولمة وتنامي دور الشرق الأقصى، فحواراتنا تعيد تكرار محاولة التقارب مع الغرب رغم أن بيننا وبين الشرق روابط قديمة ومفاهيم مشتركة ولا يوجد تاريخ من الصدامات وهو مرشح لقيادة العالم خلال عقود قريبة، لكننا لا نبذل أي جهد في التعرف على حضارته أو لغته أو دراسة أديانه أو ابتعاث علماؤنا عنده، وهو تحيز وقصور في الوعي بخريطة العالم وتغيراتها في ظل العوامة، لذا آن الأوان للتوجه شرقاً كما دعا المفكر الكبير د.أنور عبد الملك منذ عقود.

الموضوع الثاني هو دور الأقليات المسلمة في الغرب في الحوار، ففي أزمة الدانمرك اتخذ الناس في ديار الإسلام المواقف وتحركت جهود المقاطعة وسافر للتواصل من سافر دون أدنى اعتبار لأثر ذلك على المسلمين في الدانمرك أو دورهم في الاحتجاج أو مسؤوليتهم في التقريب، ودون تشاور معهم أو تنسيق مسبق.

من هنا فإن تطور خرائط الحوار واتجاهاته ومساحاته ومساراته وتفاعلاته ومحاذيره وأجنداته أمر في حاجة لجهود عديدة يأتي هذا الكتاب ليسد فيها ثغرة ويقدم أفكاراً تستحق النقاش والاعتبار.

لقد أراد علاء الدين أن يقدم معالم تأسيسية لثقافة خضراء  عربية المنشأ  عالمية التوجه، لكن هذا التأسيس سبق له هيئات ومؤسسات وجماعات وقيادات، لذلك أتمنى عليه أن يلحق هذا الكتاب بكتاب ينظر في التجارب ويحاور القيادات ويستخلص الدروس لأن مرحلة جديدة تبدأ في تاريخ العالم مع أزمة الرأسمالية العالمية التي شهدناها والتي دفعت العديد من العقول الغربي لإعادة النظر والتفكير في مستقبل العالم ومساحات الإنسانية المشتركة وكيفية بناء عالم جديد مختلفة، تلك الرؤية التي قدمتها حركات مناهضة العولمة المتوحشة الذين أدركوا أهمية الثقافة وأهمية الإنسان ولم نتحاور معهم بل بقي حضور العرب والمسلمين في المنتديات الدولية البديلة هامشياً ومحدوداً، فانطبق علينا قوله تعالى ﴿عَبَسَ وتَولَّى﴾، فقد انصرفنا للزاهدين في خطابنا الطامعين في ثرواتنا المنحازين ضد قضايانا نريد أن نسمعهم، وأعرضنا عن الذين ناصروا قضايا المستضعفين وخرجوا ضد الحرب على أفغانستان والعراق وناصروا فلسطين بالدروع البشرية بل منهم من لقي حتفه في سبيل ذلك على يد الجرافات الإسرائيلية التي تقلع أسس التمدن والحضارة من جذورها مع كل شجرة زيتون تدرها وكل بيت فلسطيني تهدمه.

أجد نفسي متفقة مع الكاتب في أن التسييس المبالغ فيه للدين من قبل الحكومات قبل الجماعات قد حرمنا من القدرة على رؤية أولويات كثيرة لعل منها قضايا الحريات ومناهضة الهيمنة وعسكرة العلاقات الدولية وأزمة البيئة والعنف ضد المرأة ونزع السلاح والتجارة في البشر واستغلال الأطفال في الحروب وغيرها، وليس الحل كما يدعو البعض هو إقصاء العامل الديني فهو حاضر عند الجميع، بل الحل هو إعلاء منظومة المقاصد الشرعية من دفاع عن الإنسان في مواجهة نظام عالمي ضد الإنسان، فهذا هو مناط الحوار وهذا ما ينبغي أن يدفعنا لاختيار الشركاء في هذا المسعى والأحرار في هذا العالم لنتحاور معهم ونضم جهودنا لجهودهم نحو عالم أكثر عدلاً.

هناك فضاءات متقاطعة ومسارات متنوعة ومستويات ودوائر غفلنا عنها فبقي الحوار حوار نخب وحوار مؤتمرات في حين قصرنا في التحاور مع الشعوب والوصول للرأي العام الغربي والشرقي فتركناه نهباً لآلة الإعلام التي تشوه صورة الإسلام بكل وسيلة .

لقد أكد هذا الكتاب على أن الحوار الداخلي هو بداية التحول الصحيح خروجاً من الطريق المسدود والتكرار الممل الذي سقطت فيه جهود الحوار، وما زلت أذكر حضور الاجتماع الأول لمؤتمر الشرق 2004 في اسطنبول الذي كانت الترجمة فيه من العربية للفارسية والتركية والعكس وكان تجربة لحوار حضاري رفيع مع كتل مركزية في العالم الإسلامي بما أشعرني بالوقت والجهد الذي ضاع في محاولة إسماع من في أذنه صمم في حين غفلنا عن الصف الداخلي بين مناطق وثقافات العالم الإسلامي.

أخيراً وليس آخراً، إن الحوار ليس كلمة عابرة في ندوة أو لقاء يعقد ثم ينفض، الحوار تدعمه معرفة ونحن لدينا جهل بكثير من الثقافات والتواريخ والوقائع والخرائط العالمية، ليس لدينا مركز للدراسات الهندية ولا الصينية ولا اليابانية ومعرفتنا بأمريكا اللاتينية هامشية ومن يجيدون التركية والفارسية بيننا أقل بكثير ممن يجيدون الفرنسية أو حتى الروسية!

الحوار أيضاً لا ينفك عن علاقات القوة، لذا يجب أن ندرك أن نجاحه مشروط باستيفاء شروط القوة التي تساند الحق وتفرض على الطرف الآخر الإنصات والتفاوض من أجل الدفاع عن الحقوق وتأسيس العدل.

والله تعالى من وراء القصد وهو يهدي السبيل.