::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات المشرف

 

 

تعارف الحضارات لا صدامها، منهج قرآني وهدف إنساني

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان  

تعارف الحضارات لا صدامها، منهج قرآني وهدف إنساني.

الحوار ـ التعاون ـ من مقومات التعارف وأساس التلاقي.

ـ أبرز فعاليات ملتقى دمشق لتعارف الحضارات والرسالات في ظل الأسرة الإنسانية الواحدة.

دراسة مفصلة أعدها الأستاذ محمد خير الطرشان

تزامناً مع احتفالية دمشق عاصمةً للثقافة العربية لعام 2008م وبرعاية كريمة من السيد وزير الأوقاف الأستاذ الدكتور محمد عبد الستار السيد.

وانطلاقاً من قول الله تعالى : ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنَّ الله عليمٌ خبيرٌ ﴾ الحجرات /13/.

واقتناعاً بأهميَّة الحوار وتفعيله في عالم مضطرب يَمُوجُ بالمشكلات، ويَتِيهُ بينَ دَعْوَتَينِ إلى نهاية التاريخ وصدام الحضارات.

وتأكيداً للدعوة القرآنية ((التعارف)) وبدعوة من معهد الفتح الإسلامي بدمشق وبالتعاون مع جامعة هارتفورد سيمنري بالولايات المتحدة الأمريكية انعقد في دمشق (عاصمة الثقافة العربية) لعام 2008م مهد الرسالات وموئل الحضارات الإنسانية ملتقًى فكريٌّ تحت عنوان: ((تعارف الحضارات والرسالات في ظل الأسرة الإنسانية الواحدة)) ضمَّ نُخبَةً من علماء المسلمين ورجال الدين المسيحي ونخبة من رجال الفكر والثقافة من سورية والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسبانيا وسنغافورة وألمانيا وتركية وذلك يوم الأحد: 5/1/1429هـ الموافق: 13/1/2008م.

في محاولة لإغلاق دائرة الجدل والسجال الفكري المتراكم حول مقولة "صدام الحضارات" لصموئيل هنتنتجون، الذي تمثل مقولته نظرية تشاؤمية لمستقبل العالم، وبدعوة إلى احتواء نظرية حوار الحضارات" التي نادى بها المفكر الفرنسي روجيه غارودي والتي تحمل في طياتها المخزون الثقافي والإرث التاريخي لشعوب العالم دعا معهد الفتح الإسلامي بدمشق إلى تبني المدلول الحقيقي لـ "تعارف الحضارات" هذه الدعوة القرآنية ذات البعد الإنساني الذي يتصالح مع الآخر ولا يقصيه، ويتعارف معه ويتآلف، عملاً بالتوجيه الرباني في الآية (13) من سورة الحجرات ﴿وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا.. ﴾.

المشاركون يعبرون للسيد الرئيس بشار الأسد عن شكرهم وامتنانهم لانعقاد هذا الملتقى في سوريا.

وفي نظرة وفاء ومحبة عبَّر المشاركون والمنظمون للملتقى عن شكرهم ومحبتهم للسيد الرئيس بشار الأسد الذي أوعز إلى إقامة هذا الملتقى واحتضانه في دمشق عاصمة الثقافة العربية، وجاء في برقية الوفاء والشكر لسيادته.

يطيب للقائمين والمشاركين في أعمال الملتقى الفكري ((تعارف الحضارات والرسالات في ظل الأسرة الإنسانية الواحدة)) الذي نظمه معهد جمعية الفتح الإسلامي بدمشق بالتعاون مع جامعة (هارتفورد سيمنري) في الولايات المتحدة الأمريكية, يوم الأحد: 5/1/1429هـ، الموافق: 13/1/2008م، والذي أقيم برعاية السيد وزير الأوقاف في الجمهورية العربية السورية تزامناً مع احتفالات وطننا الحبيب سورية باختيار دمشق عاصمةً للثقافةِ العربيةِ لعام 2008م.

يطيب لنا نحن القائمين والمشاركين في هذا الملتقى من علماء المسلمين ورجال الدين المسيحي ونخبة من رجال الفكر والثقافة من سورية وأمريكا ومختلف بلدان العالم الغربي أن نتوجه لسيادتكم بالشكر والعرفان والامتنان لجهودكم المبذولة في تكريم العلم والعلماء، وترسيخ مفهوم الحوار والتعارف والتآلف، والحفاظ على الوحدة الوطنية الراسخة سياج الوطن ودرعه الواقي، ورعاية مشاريع التقدم العلمي والإبداع الحضاري.

وإننا يا سيادة الرئيس ونحن نختتم أعمال ملتقانا هذا لنفخر ونعتز بمواقفكم الثابتة والشجاعة في مواجهة التحديات والمؤامرات العالمية التي تحاك لأمتنا الصامدة ووطننا الغالي سورية الحبيبة والتي تزيدكم إصراراً على الثبات والتمسك بالحق ومقاومة مواقف التخاذل والانهزام في وقت ندر فيه الثابتون.

دمتم يا سيادة الرئيس رمزاً لعزة أمتنا وكرامتها وعوناً للحق وناصراً للعدالة، وداعياً للحضارة والإنسانية، وفقكم الله وسدد خطاكم لما فيه خير البلاد والعباد.

الجدير بالذكر أن الملتقى ناقش محاور متعددة عديدة كان من أبرزها:

أ ـ وحدة الأسرة الإنسانية ومدلول التعارف في القرآن الكريم.

ب ـ كرامة الإنسان وحقوقه في الشرائع السماوية مقارنة بحقوق الإنسان في القوانين الدولية.

ج ـ شواهد من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة على الحوار والتعامل مع أهل الكتاب.

د ـ العيش الإسلامي المسيحي المشترك والوحدة الوطنية من أجل حرية الوطن وكرامة المواطن (سورية نموذجاً).

هـ ـ أثر المسجد ودور الكنيسة في أخلاقيات المجتمع وحسن العلاقة بين بني الإنسان.

وـ العيش المشترك والتعارف لا يلغي الخصوصيات والفوارق والتمايزات.

زـ صورة العرب والمسلمين في الإعلام الغربي وصورة الغرب في الإعلام العربي والإسلامي وأثر ذلك في السلام العالمي.

ح ـ الواقع المسيحي في بعض المجتمعات الإسلامية والواقع الإسلامي في بعض المجتمعات المسيحية في العالم (نماذج تطبيقية)، ودراسة آلية التعارف والتآلف.

ط ـ التعددية والتنوع والتكامل وقبول الآخر في ضوء الشريعة الإسلامية (نظريةً وتطبيقاً).

ي ـ التعارف سبيلٌ إلى الحوار والتعاون والتآلف بين أبناء الأسرة الإنسانية الواحدة.

وقد عقد الملتقى ست جلسات علمية تضمنت أربعين بحثاً ودراسة وورقة عمل ومداخلة ناقشت قضايا الحوار والتعارف

 

كما عقد جلسة افتتاحية تضمنت كلمات كل من:

1ـ الأستاذ الدكتور حسام الدين فرفور رئيس القسم الجامعي في معهد الفتح الإسلامي.

2 ـ البروفسور إبراهيم أبو ربيع رئيس مركز ماكدونالد للدراسات الإسلامية في جامعة هارتفورد سيمنري.

3ـ الأستاذ الدكتور مصطفى البغا أستاذ ورئيس قسم مقاصد التشريع في قسم الدراسات العليا بمعهد الفتح الإسلامي.

4ـ البروفسورة كولين كيس عميدة كلية جاليه تونكسيس في مدينة هارتفورد.

5 ـ سماحة المفتي العام للجمهورية العربية السورية الشيخ الأستاذ الدكتور أحمد بدرالدين حسون.

6 ـ سيادة وزير الأوقاف الأستاذ الدكتور محمد عبد الستار السيد (راعي الملتقى).

وناقشت الكلمات أهمية الحوار والتعارف بعيداً عن الصدام الذي يُمثِّلُ نظريةً تشاؤميَّةً لمستقبل العالم، مؤكِّدةً على مصطلح التعارف القرآني الذي يعكس رؤية ذات بعد إنساني يتصالح مع الآخر ولا يقصيه، ويحترم المخزون الثقافي والإرث التاريخي لشعوب العالم.

البيان الختامي للملتقى:

وبعد مناقشات جادة ومستفيضة خرج الملتقى بتوصيات ونتائج كان من أهمها:

1 ـ التعارف منهج قرآني يدعو إلى التعاون والتحابب بين بني البشر وهو سبيل إلى تلاقي الحضارات، ويُحدِّدُ مستويات الحوار والتعاون ويثريهما، كما أنَّ له دوراً وقائياً في منع النزاع والصدام على مستوى الأمم والشعوب.

2 ـ الخطاب القرآني الداعي إلى التعارف بين الأمم والشعوب مُوجَّهٌ للنّاس جميعاً بتنوُّعِهم وتعددُّهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم يُقِرُّ بالتنوُّع الإنساني، ويُؤكِّدُ وحدة الأصل الإنساني.

3 ـ الإفادة من المنهج النبوي الشريف في أسلوب التعامل مع الآخر.

4 ـ اتفق المشاركون في الملتقى على ضرورة العمل على تعزيز أواصر التعاون والتفاعل للوقوف صفاً واحداً في وجه المؤامرات والتحديات الصهيونية التي تستهدف كيان الأمة وثقافتها وتاريخها.

5 ـ التأكيد على ضرورة الإفادة من النموذج السوري في العيش المشترك بين أبناء الشرائع السماوية المتعددة القائمة على التعاون والاحترام المتبادل مع الحفاظ على الخصوصيات والتمايزات.

6 ـ الدعوة إلى وحدة المختلفين المؤتلفين لا إلى وحدة المتوافقين المتنافرين.

7 ـ العودة إلى الرسالات السماوية بعد أن جرَّبت الإنسانية مناهجَ بشريَّةً بعيدةً عن الله تعالى من أجل حياة فاضلة تلتزم التشريع الإلهي الحق.

8 ـ تكثيف الجهود المشتركة لفضح ممارسات العدو الصهيوني العنصرية واللا إنسانية في محاولة الاعتداء المتكرِّر على القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك ومهد السيد المسيح عليه السلام ومحاولة إبادة الشعب الفلسطيني عامَّةً.

9 ـ العمل على إيجاد حلول عاجلة للمشكلات الطائفية والمذهبية حيث وجدت، واعتماد منهج الحوار والتعارف لتقوية أواصر المحبة، والتعاون المشترك من أجل حرية الأوطان وكرامة المواطن، وتوجيه الثناء للمشروع الوطني القائم في سورية برعاية كريمة من السيد الرئيس بشار الأسد؛ لتعزيز أواصر الوحدة الوطنية والعيش المشترك لأبناء المجتمع في سورية.

وبالعودة إلى أبرز الكلمات والمحاضرات التي ألقيت ضمن فعاليات "ملتقى الحضارات نرصد للقراء أهم الأفكار والطروحات التي قدمها الباحثون والمفكرون والعلماء، وفي مقدمتهم السيد وزير الأوقاف الدكتور محمد عبد الستار السيد ، وسماحة مفتي الجمهورية العربية السورية الشيخ الدكتور أحمد بدر الدين حسون، والجهة المنظمة التي تكلم باسمها الدكتور حسام الدين فرفور / رئيس القسم الجامعي في معهد الفتح الإسلامي

 

كلمة السيد وزير الأوقاف الدكتور محمد عبد الستار السيد:

أكد الشيخ الدكتور محمد عبد الستار السيد وزير الأوقاف في افتتاح ملتقى "تعارف الحضارات" أن الحوار قيمة من قيم الحضارة الإسلامية المستندة أساسًا إلى مبادئ الدين الحنيف وتعاليمه السمحاء وهو موقف فكري وتعبير عن ابرز سمات الشخصية الإسلامية السوية وهو ينشد الحق والخير والعدل والتسامح وكل أشكال التفاهم البشري والحيلولة دون الفساد في الأرض

 

وقال: إن الحضارة الإسلامية قامت على أساس التفاعل الحضاري والحوار والانفتاح على الآخر حيث أخذت عن الحضارات السابقة واقتبست من ثقافات الأمم والشعوب التي احتكت بها وصهرت كل ذلك في بوتقة الإسلام فكانت حضارة إنسانية لها اثر كبير في نقل روح المدنية إلى جميع الشعوب التي تفاعلت معها ‏

 

وأضاف السيد وزير الأوقاف: إن الحوار مفهوم جديد نسبيا في الفكر الغربي السياسي والثقافي وقال: إن مفهوم الحوار تطور خلال العقدين الأخيرين من الألفية المنصرمة من الحوار بين الأديان الى الحوار بين الحضارات والثقافات مشيرا إلى ما قابل ذلك من بيانات وإعلانات عن الجانب الإسلامي حول الحوار الحضاري والثقافي على المستويين الرسمي والشعبي ومنها إعلان طهران حول الحوار بين الحضارات وبيان برلين عام 2000 حول الحوار والتعايش بين الحضارات وبيان الرباط عام 2001‏.

وأشار الدكتور السيد إلى القلق الذي يسود العالم نتيجة ما يجري على الساحة الدولية وسياسة الهيمنة الأميركية وتعاملها مع المجتمع الإنساني وفقًا لمصالحها ورؤيتها وأهدافها ومحاولة إلصاق تهمة الإرهاب بالآخرين وما تبع ذلك من أحداث دموية تمثلت في احتلال أفغانستان والعراق وتنصل إسرائيل من قرارات مجلس الأمن الدولي وإمعانها في تكريس الاحتلال وسفك الدماء وانتهاك المقدسات في القدس الشريف.

ومضى قائلاً: إن كل ذلك حَدَا بدعاة السلام والعدل في العالم واستشعاراً لخطورة الوضع العالمي بأن يجدوا انه لا حل لكل بؤر التوتر في العالم بغير الحوار والتفاهم الذي ينسجم مع الروح الجديدة التي تسود العالم اليوم ومع مبادئ الشرعية الدولية القائمة على قرارات الأمم المتحدة وأسس القانون الدولي في احترام كامل للخصوصيات الدينية والثوابت الثقافية ومرتكزات الهوية القومية‏.

وأشار السيد وزير الأوقاف أن سورية تنعم بوحدة وطنية راسخة يتجسد فيها الإخاء الديني بأبهى أشكاله من محبة وتسامح وتعاون وتحاور.

 

كلمة سماحة مفتي الجمهورية العربية السورية الشيخ الدكتور أحمد بدر الدين حسون:

أشار الشيخ الدكتور أحمد بدر الدين حسون المفتي العام للجمهورية إلى أن الحضارة الإنسانية واحدة ترفدها ثقافات متعددة لأسرة واحدة لا اختلاف بينها‏

ورفض سماحة المفتي ما يدعى صراع الحضارات ومحاولات تفتيت الأمم والحضارات الأخرى وقال: إن هذا ما يفعله من يدعون الحضارة الذين خربوا وسرقوا آثار العراق ودنسوا المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين وارتكبوا المجازر بحق شعبها.

وأضاف: إن الحضارة هي تكريم للإنسان الذي جعله الله أقدس مخلوقاته وان جميع الشرفاء في العالم مدعوون إلى العمل على بناء الحضارة الإنسانية الواحدة والى التحلي بالقيم الإنسانية والتآلف والحوار ‏

وقال: من أرضنا انطلقت الرسالات السماوية ومنها انطلقت المسيحية إلى العالم وهنا ما تزال سورية تعيش أسرة واحدة بجميع أبنائها في محبة وإخاء ووئام ‏..

الدكتور حسام الدين فرفور ـ رئيس القسم الجامعي في معهد الفتح الإسلامي قال:

إنها لساعة طيبة مباركة، في لقاء طيب مبارك، وعنوان طيب مبارك، وهدف طيب مبارك ، هذا التعارف: التعارف من مستلزماته الحوار ومن أهدافه التآلف، ومن مراميه النبيلة التعاون.

ونحن اخترنا كلمة التعارف، بعد مناقشة مع اللجنة الثقافية والمجلس الإداري والعلمي فعدلنا من الحوار إلى التعارف، والحوار هو أحد آليات التعارف، ذلك لأننا رأينا أن هذا المصطلح فيه من السعة والشمول والدقة والعمق ما ليس في مصطلح الحوار، فهو يشمل الحوار ويشمل التعاون ويتجاوز الحوار إلى التعاون إلى التعارف، أن أعرفك وتعرفني، أن أدرسك وتدرسني، أن أغوص في أعماقك وتغوص في أعماقي، أن أدخل إلى سريرتك وتدخل إلى سريرتي...

هذه الإيحاءات فهمناها من قول الله تعالى: ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ﴾ الحجرات (13)

صيغة التعارف صيغة مشاركة، لا يمكن للتعارف أن يكون من طرف واحد، هو سير نحو الآخر، وسير الآخر نحو الأول، هذا إذا صح أن يكون هناك آخر، ونحن لا نرى أن هناك في الإنسانية آخر، ذلك أن القرآن الكريم يقول: ﴿خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ إذاً هناك أسرة إنسانية واحدة تحت عنوان تعارف الحضارات في ظل الأسرة الإنسانية الواحدة تعمل جميعاً، وتعمل وزارة الأوقاف بما فيها من إدارات ومؤسسات، وإدارة الإفتاء العام ومديرية التوجيه والإرشاد، ومديرية التعليم الشرعي ومديريات الأوقاف، ومديرية معاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم، والمعاهد الشرعية التي تشرف عليها برنامجاً ومنهاجاً وسلوكاً وزارة الأوقاف والثانويات الشرعية والمدارس الإسلامية وأخص بالذكر منها معهدنا "الفتح الإسلامي" الذي يضم في جنباته في مختلف مراحله من الإعدادي إلى الثانوي إلى المرحلة الجامعية ثم الدراسات العليا بما تشمله من قسم ماجستير ودكتوراه كل هؤلاء يعملون من أجل "لتعارفوا وأعتقد أن أتباع الرسالات السماوية من الطوائف المسيحية يعملون مهنا في خندق واحد، لا سيما في هذا البلد بالذات تحت مفهوم "التعارف" و"الحوار" وأنا أنتقد كلمة صيغت من قبل أناس يريدون المكر للبشرية، ألا وهي "صدام الحضارات" فالحضارة ارتقاء بالإنسان، فكراً وذوقاً، وأخلاقاً، وبشرية، وقانوناً، وفقهاً للحياة، وتعاوناً وتآلفاً، لذلك لا يمكن لهذه الحضارات أن تصطدم، إنما الصدام نتيجة الشر ونتيجة الجهل ونتيجة التخلف والوحشية، والإمعان في هذه الوحشية . فصاحب هذه النظرية لا أبرؤه من الغرض السيئ نحن ندعو إلى تعارف الحضارات، وتعاون الرسالات، وحوار الثقافات، وأنظر إلى ما يدعى إليه اليوم، وهو تحالف الحضارات، رغم أن الأمم المتحدة اعتمدت هذا المصطلح طبعاَ التحالف هو هذا الصدام والمقارعة وضد الهمجية وهو نوع من التوافق ونوع من التعاون، إلا أن حكمة التحالف توحي بأن هناك جيوشاً تتحالف، وقوى عسكرية تبرم حلفاً، مع أن هذا المصطلح فيه من العمق ما فيه، وأنا أطرح عليكم هذا الكلام، وأنتم أهل فكر وثقافة ويا ليتنا نناقش هذا المصطلح، لكن أفضل مصطلح التعارف "لتعارفوا".

نحن في سوريا، في بلاد الشام، في دمشق، عاصمة الثقافة، عاصمة العالم، وأرجوا أن لا تستنكروا هذا المصطلح، لماذا قلنا إن دمشق عاصمة العالم؟

لأنها أقدم مدينة مأهولة لم تنقطع فيها الحضارة خمسة عشر ألف عام باتفاق المؤرخين.

لماذا قلنا إن دمشق عاصمة العالم؟

لأنه انبثق منها أعظم رسالتين في التاريخ، من دمشق انبثقت المسيحية وانطلقت إلى إنطاكية، ومن إنطاكية إلى روما، ومن روما إلى العالم، في بلاد الشام في فلسطين، في بيت لحم، ولد السيد المسيح، وفلسطين جزء من سورية الكبرى من هنا انطلقت المسحية ثم جاء الإسلام فاحتوى انطلاقتها، جاء الإسلام ليحفظ رسالات الله، ويحفظ الوحي، جاء الفتح الإسلامي ليحرر المستعبدين من ظلم المستبدين، جاء الإسلام ليحرر الإنسان من عبودية الإنسان ومن ظلم الإنسان، من هنا كانت رسالة الإسلام تتآلف مع رسالة السيد المسيح، ومع رسالة سيدنا موسى عليه السلام, فهؤلاء الأنبياء لم يأتوا بالظلم ولا بالعنصرية ولا بسفك الدماء، ولا بسرقة الأوطان ولا بسحق الشعوب، ولا بحروب الإبادة.

إن ذلك انحراف عن شريعة الله عز وجل.

نحن في سوريا نعيش عيشاً مشتركاً، وأستبعد "التعايش" لأن التعايش قد يفيدنا البعد عن الحقيقة، وأحسن من العيش المشترك مع كل الطوائف التيارات الفكرية لأننا تظلنا رسالات السماء، ثم تظلنا وحدة وطنية إيمانية، نعيش عيشاً مشتركاً وتعاوناً مشتركاً وتعاوناً وشراكة وصبحاً ومساءً.

فسوريا قدوة في ذلك

الرئيس الراحل حافظ الأسد أنفق عمره في الحفاظ على الوحدة الوطنية الإيمانية، وبارك الله في الدكتور بشار الأسد الذي حمل الراية عن والده، ويحرص ويركز على هذه المعاني التي تجمع ولا تفرق، وعلى هذا السمو الروحي والإنساني، وهذه الوحدة بين كافة أبناء الوطن الواحد، وعلى العالم أن يقتدي بنا في سوريا وفي بلاد الشام.

وفي سبيل توضيح الصورة الحقيقية للمدلول القرآني ﴿لتعارفوا﴾ أقام معهد الفتح الإسلامي بدمشق الملتقى الفكري "تعارف الحضارات والرسالات.


كلمة الدكتور إبراهيم أبو ربيع

رئيس مركز ماكدونالد للدراسات الإسلامية في جامعة هارتفورد سيمنري

الولايات المتحدة الأمريكية

بسم الله الرحمن الرحيم

نحن جئنا إليكم من أقوى دولة في العالم عسكرياً ولكن إلى أثرى دولة في العالم على مستوى الحضارات والتحاور بين الأديان والتعايش المشترك، شكراً لكم على هذه الحفاوة البالغة، أنا بنفسي أتيت إلى سوريا أكثر من عشرين مرة، ولكن هذه الزيارة الأولى لمعظم أعضاء الوفد من الولايات المتحدة الأمريكية، الهدف الوحيد من إحضار هذا الوفد هو التعرف المباشر على سوريا وشعبها الكريم، نحن لا نوافق على ما تقوله الصحافة الأمريكية عن سوريا بالذات والعرب والمسلمين بشكل عام، ولا نوافق على موقف الحكومة الأمريكية من سوريا، أتينا هنا بأنفسنا لكي نتعرف على الشعب العربي السوري وقياداته الدينية والثقافية، وسوريا وخاصة بالنسبة لي هي كبلد أم، فهي الدولة التي احتضنت كثيراً من أهلي اللاجئين الفلسطينيين ويوجد لي ثلاثة أعمام وعمة هنا في سوريا في مخيم اليرموك منذ 1948م أشكركم مرة أخرى على حسن الحفاوة وأتمنى لكم مؤتمراً ناجحاً.

 

الأستاذ الدكتور مصطفى البغا

رئيس قسم مقاصد التشريع في الدراسات العليا

قال: أسأل الله تعالى أن يجزي خيراً من كان سبباً في هذا اللقاء، سواء كان تحت عنوان "التعارف" أو "الحوار" فكل منهما يمت إلى الآخر بصلة كبيرة..

نحن معاشر المسلمين بهذا الكتاب الذي أنزله الله تعالى على سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه وأكد فيه أنه خاتم الأنبياء والمرسلين ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ وقال عن مهمته:

﴿كتاب أنزلنا إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾.

ورضي الله تعالى عن ربعي بن عامر حين قابل قائد الفرس وسأله عن المهمة التي جاء من أجلها فقال: إننا جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى رب العباد).

وحسبنا في هذه الرسالة التي نحملها قول الله تبارك وتعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم ... لتعارفوا﴾.

وقول النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي لأعجمي، ولا لأبيض على أسود إلى بالتقوى).

وقوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً﴾.

والنداءات بمثل قوله تعالى ﴿يا أيها الناس﴾ تتكرر كثيراً في كتاب الله عز وجل، وهذا رسولنا المصطفى عليه الصلاة والسلام يصفه ربنا بقوله: ﴿وما أرسلناك إلى رحمة للعالمين﴾ ويأمره الله تعالى أن يعلن للناس ﴿إني رسول الله إليكم جميعاً﴾ وحين هاجر النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة ليبني دولة الحق، دولة الإيمان، دولة الرسالات السماوية، دولة الأسرة الإنسانية أول ما عمل أنه كتب تلكم المعاهدة بين المسلمين وبين اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة المنورة، مع علمه بما كان عليه اليهود من مواقف عدائية مع أنبياء الله تعالى والمرسلين، فكان في هذه المعاهدة، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم أنفسهم إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يظلم إلا نفسه وأهل بيته، وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن على المسلمين النصر على من حارب هذه الصحيفة، وإن من بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لا يؤخذ امرؤ بجريرته، وإن النصر للمظلوم، وليس خافياً ما كان من استقباله عليه الصلاة والسلام لنصارى نجران في المسجد النبوي، وقد جاء في السيرة أنه حضر وقت صلاة ذلك الوفد من نصارى نجران، فقاموا يرتلون ما يرتلون في صلواتهم فلم يكن من النبي r أي أفكار.

وهذا هو كتابنا الذي يدعونا إلى أن نحاور بالحق وبالتي هي أحسن، قال الله تعالى ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ وقال: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ وهذه رسالة النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى الملوك والأمراء وكل من كان في يده السلطة في تلك الأيام، يرسل لهم: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعتد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله﴾.

وهذا سيدنا عمر بن الخطاب بعد تولية إمارة المسلمين، كان حينما يعقد الراية لأحد الجند يوصيه بقوله: (وأوصيك بذمة الله وذمة رسوله r أن يوفي لهم بعهدهم و..) والمقصود بهم أهل الكتاب الذين كانوا في ذمته.

الواقع الذي عشناه ولا نزال نعيشه ما كان من العيش المشترك من التعاون والتضامن والحماية، لم نسمع في حياتنا أنه في يوم من الأيام غدر واحد من المسلمين بواحد من غير المسلمين، وليس أدل على ذلكم من أن غير المسلمين على اختلاف طوائفهم يعيشون في البلاد الإسلامية، ولاسيما في سوريا بأمان واطمئنان، يأخذون كامل حقوقهم لا ينقصهم أحد من حقوقهم شيئاً.

هذا هو شرعنا الذي يدعونا أن ننظر إلى البشرية جمعاء على أنهم أسرة إنسانية واحدة، وأن تتوحد الصفوف من أجل إعلاء كلمة الحق وإقامة دعائم العدالة، وأن يتعارف الناس فيما بينهم.

 

كلمة البروفيسورة كولين كيس

عميدة كلية تونكسيس في مدينة هارتفورد متخصصة في شؤون المرأة

أريد أن أشكر الحكومة السورية لمنحنا الفيزا لحضور هذا الملتقى وأشكر الدكتور حسام الدين فرفور على دعوتنا للمشاركة .

شيء كبير جداً أن نكون في هذا البلد، وأريد أن أتحدث لكم باختصار عن قصة حياتي الشخصية: كنت امرأة كاثوليكية وبروفيسورة في اللغة الإنكليزية في سنة1987، وكنت أقدم (محاضرة) باللغة الإنكليزية، وكان هناك خليط من الطلاب من سوريا وفلسطين والهند، وفي هذا المساء من نفس السنة عندما حدثت الانتفاضة الفلسطينية، في ذلك الوقت لم أكن أعرف الكثير عن الإسلام والشرق الأوسط لكن الطالبات السوريات كن قد تكلمن عن الإسلام وسوريا، وأعطوني كتاباً عن الإسلام وقالوا لي: يجب أن تقرئي هذا الكتاب، بدأت بقراءة الكتاب والتعرف على الإسلام والمسلمين وبعد سنة من قراءات عن الإسلام قررت أن أتحول إلى الإسلام.

وأقول لكم إن هناك تحديات كبيرة بالنسبة للمسلمين وخاصة النساء منهم في المجتمع الأمريكي المعاصر، ليس شيئاً سهلاً أن تكون مسلمًا وأمريكيًّا في الوقت نفسه ولكن يجب أن نري الوجه الحقيقي للإسلام، خاصة في بلاد الغرب، فنحن كمسلمين نطعم الفقراء ونشترك في المظاهرات من أجل القضية الفلسطينية، وأنا عميدة في كلية، ثاني أكبر كلية في ولاية (كوناتكيت) وأنا الشخص الثاني بعد رئيس الجامعة وأنا مسلمة، والأمريكان يجب أن يرو المسلمين في مواقع المسؤولين ويجب أن نعرفهم على الإسلام والمسلمين، وهذا هو هدفنا في الوقت الحالي. وشكراً

كلمة الأب فادى عبد الأحد ممثل غبطة البطريرك مار أغناطيوس زكا الأول عيواص بطريرك أنطاكية وسائر المشرق الرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم:

إن سورية هي مهد الحضارة وتعيش وحدة وطنية رائدة ورائعة جعلت منها قدوة ورسالة لكل من يعرف إن الحرية تطلق طاقة الأمة مؤكدًا إن قوة سورية كانت دوما في وحدتها الوطنية.

وأضاف ..هناك من يحاول تشويه صورة الإسلام وكذلك المسيحية وهم في ذات الوقت أعداء الإسلام والمسيحية لأن الأديان لا تدعو إلى الحروب والعنف بل إلى المحبة والتعايش والخير فالأديان لا تتصارع بل المصالح المادية وحدها هي التي تتنازع.

ورشة عمل وحلقة نقاشية في اليوم الثاني من جلسات الملتقى:

ناقش ملتقى تعارف الحضارات على مدى يومين عددا من المحاور منها العيش الإسلامي المسيحي المشترك والوحدة الوطنية سورية نموذجا وصورة العرب والمسلمين في الإعلام الغربي وصورة الغرب في الإعلام العربي والإسلامي وأثر ذلك في السلام العالمي والتعارف سبيلاً إلى الحوار والتعاون والتآلف بين أبناء الأسرة الإنسانية الواحدة ووحدة الأسرة الإنسانية ومدلول التعارف في القرآن الكريم وكرامة الإنسان وحقوقه في الشرائع السماوية مقارنة بحقوق الإنسان في القوانين الدولية.

كما عقد حلقة نقاشية باللغة الانكليزية (حوار مفتوح حول الملتقى) في مقر قسم الدراسات العليا بالمعهد في جامع الصحابي ضرار بن الأزور في باب شرقي

وحضر الافتتاح حشد من الفعاليات الثقافية والعلمية والفنية والدينية الإسلامية والمسيحية وعدد من أعضاء مجلس الشعب ومن ممثلي البعثات الدبلوماسية المعتمدة بدمشق.

 التعليقات: 0

 مرات القراءة: 3415

 تاريخ النشر: 12/04/2008

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 925

: - عدد زوار اليوم

5406353

: - عدد الزوار الكلي
[ 51 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan