::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> خطب الجمعة

 

 

عيش السعداء ...

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان  

خطبة الجمعة بتاريخ 20 / 4 / 2012

في جامع العثمان بدمشق
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، يا ربَّنا لك الحمدُ كما ينبغي لجلالِ وجهكَ وعظيمِ سلطانك، سُبحانكَ لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك.. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، لهُ الملك ولهُ الحمد يُحيي ويميتُ وهو على كل شيءٍ قدير، وأشهدُ أن سيِّدنا ونبيِّنا وحبيبنا مُحمَّداً عبدُه ورسولُه وصفيُّه وخليلُه.. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على هذا النبيّ الكريم، صلاةً تنحلُّ بها العُقَدُ، وتَنْفَرجُ بها الكُرَبُ، وتُقْضى بها الحوائجُ، وتُنال بها الرغائبُ وحُسنُ الخواتيم، ويُستسقى الغمامُ بوجههِ الكريم، وعلى آلهِ وصحبهِ وسلِّم تسليماً كثيراً..
أما بعدُ فيا عباد الله: أُوصي نفسي وإيَّاكم بتقوى الله تعالى.. وأحُثُّكم على طاعتهِ والتمسُّك بكتابهِ، والالتزامِ بسُنَّةِ نبيّهِ سيدنا محمدٍ صلَّى الله عليهِ وسلَّم ومنهاجِه إلى يومِ الدِّين..
أيها الإخوة المؤمنون: أفتتح خطبة اليوم بدعاء سيدنا رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم الذي رواه الإمام الترمذي وغيره من أصحاب السنن، والذي كان يكثر منه سيدنا رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم، فيقول: " اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء ونزل الشهداء وعيش السعداء ومرافقة الأنبياء والنصر على الأعداء ".
هذا دعاء سيدنا رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم ، وحريٌّ بنا أن نتأثر بدعوته صلَّى الله عليهِ وسلَّم ، وأن نجتهد في تقليده عليه الصلاة والسلام في كل وقت وآن. لكننا نقف اليوم عند جملة ممَّا دعا به رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم وسأل ربه، ألا وهي قوله: " وأسألك عيش السعداء ". فما هو عيش السعداء أيها الإخوة ؟ هل عيش السعداء في مالٍ وفير وسلطان ومال كبير؟ هل عيش السعداء في لهوٍ ولعب؟ هل عيش السعداء في تحقيق الأماني والشهوات والآمال التي تتطلع إليها النفوس؟ أو أن عيش السعداء هو مرضاة الله سبحانه وتعالى وطاعته؟ والعيش حياة إيمانية كما يرضى الله ورسوله، وكما قال ربنا وتعالى في سورة النحل:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[النحل: 97]
الحياة الطيبة - أيها الإخوة - هي حياة السعادة، وهي عيش السعداء. الحياة الطيبة هي الحياة الإيمانية التي يعيشها المؤمن في طاعة الله ويحياها وهو متبعٌ لأوامر الله سبحانه وتعالى. الحياة الطيبة هي عيش السعداء الذي يتعرفون إلى الله في الرخاء فيعرفهم في الشدة. الحياة الطيبة هي ركعات يركعها المؤمن في جوف الليل، ودعوات يدعو بها في الظلام، و ركيعات يقوم بها قبل المنام، لينال بها رضا رب الأنام سبحانه وتعالى.
الحياة الطيبة عاشها كثير من أصحاب النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم ففازوا في حياتهم، فكانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، وكانوا يتعرضون لنفحات الله سبحانه وتعالى في كل الأوقات من الليل ومن النهار، في كل أنواع العبادة سواء منها الصيام أو الصلاة أو الذكر أو الصدقة أو الانفاق، أو الجهاد في سبيل الله، أو السعي في الإصلاح بين الناس، وذلك كله ينطوي تحت شعار الحياة السعيدة. قال القائل:
ولستُ أرى السعادة جمع مالٍ          ولكنَّ التقيُّ هو السعيدُ
السعادة لا يمكن أن يحياها الإنسان المؤمن مع وفرة المال أو كثرته، إن اقتصرت الحياة على سعيٍ مادي من غير سعي إلى رضا الله سبحانه وتعالى. أما إذا اجتمعا معاً فنِعْمَ المالُ الصالحُ للعبد الصالح.
جاء رجل إلى النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم فأعطاه من المال الوفير تألُفاً لقلبه وتشجيعاً له وتثبيتاً على الدين، فقال له: يا رسول الله، ما لهذا اتبعتك، أي: ما قصدت من الاتباع لدينك وسنتك الحصول على المال الوفير. فقال له النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم: " نعم المال الصالح للعبد الصالح ". فالمال الوفير إذا استخدمه المؤمن فيما يرضي الله سبحانه وتعالى وعرف حقَّ الله فيه وآتى على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ومهاجراً وعابر سبيل، فإنه يحيا حياة طيبة ويعيشُ عيش السعداء.
عيش السعداء - أيها الإخوة - ليس عن كثرة الجاه والعرض ولا عن كثرة الدنيا والأملاك، إنما عيش السعداء يكون في طاعة يعيشها المؤمن ويحياها بين يدي ربه سبحانه وتعالى.
يقول الله تعالى عن العباد الصالحين أصحاب الحياة الطيبة والعيش السعيد:﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾  [السجدة:١٥].
هؤلاء نموذج ممن ذكر الله في القرآن الكريم أنَّ حياتهم حياةُ سعادة، هؤلاء إذا نام الناس استيقظوا، وإذا استيقظ الناس عملوا، أولئك قوم يعيشون مع الله ولله وفي الله.
سُئل أحد الصالحين ما بال المتهجدين حسان الوجوه؟ ما بال المتهجدين الذين يصلون بالليل والناس نيام صباحُ الوجوه؟ فقال: " أولئك قومٌ خلوا بالحبيب فألبسهم من نوره" . يكسوهم الله تعالى من أنوار رحماته. ينزل عليهم هذه السكينة وهذه الطمأنينة فلا تراهم في دنياهم يشكون مللاً أو قلقاً أو اضطراباً،كما نسمع بين الحين والآخر من شباب هذه الأمة وبناتها ورجالها ونسائها، أن الملل قد أصابهم، وأن اليأس قد تغشَّاهم، وأن الضجر قد سيطر عليهم، وأن الكآبة قد ملأت حياتهم، وأنهم ضاقوا بهذه الدنيا وما فيها.
لماذا أيها الإخوة؟ أهي حياة الغرب انتقلت إلينا؟ أهي عدوى المدنية الفاجرة والحضارة المزيفة انتقلت إلى صفوف الأمة الاسلامية فبتنا نسمع بهذا القلق والاضطراب ونسمع عن حالات الحيرة، ونسمع عن البعض الذين يبحثون عن المشعوذين والمزورين الذين يخرجونهم من هذا الضيق والقلق؟! أبداً أيها الإخوة، إنما سبب ذلك الغفلة عن الله والابتعاد عن ذكر الله تعالى، كما يقول ربنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ [طه:١٢٤]
معيشة الضَّنك هي معيشة الشدة والضيق. المعيشة التي يشعر الإنسان وكأنَّ على صدره صخرة عظيمة تمنعه من الاستمتاع بلذات الدنيا ومتعها كلها. هذه المعيشة الضنك إنما سببها الإعراض عن الله والغفلة عن ذكره، والسعي واللَّهاثُ وراء الدنيا والمادة والزينة والزخرف ونحو ذلك، مما لا ينفع في الدنيا والآخرة.
 أهي المادية الغربية قد أصابتنا بعدواها؟ لقد أثبتت الإحصاءات أن نسبة الانتحار التي تعاني منها أمريكا هي أعلى نسبة في العالم. لماذا؟ لماذا ينتحر الناس في أمريكا؟ ألقلة الخمر أم لقلة النساء أم لقلة المال؟ وهي أكبر دولة من حيث الناحية الاقتصادية ومن حيث الفلتان والتفلتُ من كل القيم. لماذا يعيش أهلها حالةَ شدةٍ وضنك؟ هذا ما تنقله الإحصاءات.. ليس تجنّياً على الحياة الغربية، فالحياة الغربية بشقيها الأمريكية والأوربية حياة مبهرة من حيث الظاهر، أضواؤها تلوح لنا في الآفاق، فيحلم كثير من الناس بالحياة فيها، لكن من عاش مع أهلها ومن عاشرهم ومن لازمهم أدرك أنهم يعيشون الكآبة، وأن قلوبهم فارغة، وأنهم لا يحييون لهدف أو لحياة سامية، كما يحياها الإنسان المؤمن، الذي إذا ضاق صدره ذكر الله ففاضت عيناه، فارتاح صدره واطمأنَّ قلبه. ألم يكن سيدنا رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم إذا حزبه أمرٌ فزغ إلى الصلاة؟ أي: إذا ضاق به الأمر واشتد عليه الحال، فإنه يبادر إلى الصلاة، وكان يقول: " يا بلال أرحنا بها ". أرحنا بها.. لماذا؟ لأن الصلاة حقيقةً هي عروج الروح إلى الملكوت الأعلى. ولربما نشكو من صلاتنا أننا لانعرف فيها الخشوع، ولا نعرف فيها معنى عروج الروح، ولا نتذوق فيها صلة مناجاة الله سبحانه وتعالى، ونقول لربنا إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، لكننا نستعين بغيره من الشرق والغرب، ولا نجيد الاستعانة بالله سبحانه وتعالى.
وإذا قلنا لربنا إِيَّاكَ نَعْبُدُ، فكثيرٌ منا عبادته حركات ظاهرة بغير حضور قلبٍ ولا خشوع. ولهذا ورد في الآثار الإلهية عن الله سبحانه وتعالى: "إني وابن آدم في خطرٍ عظيم، أخلقُ ويُعْبد غيري، وأرزق ويُشْكر سواي " .
 يا لَـهُ من أمر خطير أن الله تعالى خالقنا، بارئنا، موجدنا، ونحن ندين بالعبودية لسواه، ونركع ونسجد لغيره، وإن كان ليس ركوعاً على وجه الحقيقة إنما من باب الاستعباد، فكثيرٌ من الخلق استعبد الخلق وأذلَّهُ في دنياه، وهو في الآخرة ذليل.
وإن كنا أيضاً نشكر غير الرازق الحقيقي، فالرازق على وجه الحقيقة إنما هو الله، لكننا نشكر المخلوقين الذين نصيبُ منهم رزقاً أو منفعة.
أيها الإخوة: إذن ؛ عيش السعادة و الطمأنينة، وحياة الإيمان الحقيقية إنما تكون بالفرار إلى الله، كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّـهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠]
ليس أمامكم ملجأٌ ومهربٌ وملاذٌ إلا إلى الله، وليس أمامكم من باب تطرقونه إلا باب الله سبحانه وتعالى. كما يقول الإمام ابن القيم في كتابه مدارج السالكين:
في القلب شعثٌ (أي تفرقٌ وشتاتٌ) لا يلمه (لا يجمعه) إلا الإقبال على الله.. في القلب شعثٌ، وهذه حالة الشكوى التي يشتكي منها كثيرٌ من الناس. يقول: ما هذه الحال؟ ما هذا الضيق؟ ما هذه الحيرة التي نعيش بها؟ إنه الشتات. شتات القلب بسبب إعراضه عن ذكر الله سبحانه وتعالى.
( في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله ،وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته،وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى لقائه )
(( فَفِرُّوا إِلَى اللَّـهِ )) والفرار إلى الله لا يعني الهجرة و ترك الديار، بقدر ما هو ترك وإعراض للدنيا، وقذفها وراء الظهر، والإقبال على الله، كما أقبل النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم وكان لنا نموذجاً عملياً في حياته، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعلم هذا الأمر أصحابه.
يروي لنا سيدنا عبد الله بن عمر الصحابي الجليل الزاهد المتعبد رضي الله عنه وأرضاه فيقول: كان النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم إذا فرغ من صلاته سأل أصحابه أيكم رأى رؤيا؟ فكانوا يقصُّون رُؤاهم على رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم، وكنت أتمنى أن أرى رُؤيا لأقصها على رسول الله. وذات يومٍ استيقظت على رؤيا رأيت فيها كأني مقبلٌ على النار ورأيت أهلها فيها وعرفت منهم أشخاصاً، فقلت: أعوذ بالله من النار، فقال لي ملك من الملائكة: لم تُرَعْ لم تُرَعْ، أي: لا تخاف، فإنك في أمان. فاستيقظت وقصصت الرؤيا على حفصة رضي الله عنها ، فقصَّت حفصة على سيدنا رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم رؤيا أخيها، فقال: " نِعْمَ الرجل عبدَ الله لو كان يقوم من الليل ". نعم الرجل عبدُ الله، أي: ابن عمر، لو كان يقوم من الليل. يقول سيدنا نافع مولى سيدنا عبد الله بن عمر وخادمه: فما ترك عبد الله بن عمر قيام الليل بعد ذلك.
أيها الإخوة: نحن في هذا الزمن الصعب الشديد الذي حدثت فيه تغيرات كبيرة على مستوى العالم العربي والإسلامي، ونمر بأزمات خطيرة وشدائد مستطيرة.. ألسنا بحاجة أن نفزع إلى الله؟ ألسنا بحاجة أن نُفعّل فينا عبادة قيام الليل؟. إنه حال أهل الله، حال المتهجدين في الأسحار، حال القائمين في الليل، الخاشعين البكَّائين، الذي يضرعون إلى الله في الليل ويناجونه في السجود. ألسنا نشتهي أن نتشبه بالملائكة؟ عندما يريد أحدنا أن يثني على أحدٍ فيقول: والله فلان كأنه ملائكة.. لماذا؟ لأن الله تعالى وصف الملائكة فقال: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّـهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]
فلماذا نُصِرُّ على المعصية وإن كانت صغيرة؟ فالإصرار على الصغيرة يؤدي للوقوع في الكبيرة. ولقد تهاون قومٌ في الصغائر فأدت بهم إلى الوقوع في الكبائر. لقد تهاون سيدنا آدم عليه السلام بأن يأكل من الشجرة فما كانت النتيجة؟ أُهبط إلى الأرض؛ لأنه عصى الله بأكله من الشجرة التي نُهي عنها. ألم يُلعن إبليس ويُطرد من رحمة الله لأنه أبى أن يسجد سجدة واحدة؟ طُرد من رحمة الله إلى قيام الساعة. ألم يُعاقب اليهود فيمسخون قردةً وخنازير لأنهم عصوا الله تعالى في يوم السبت فاصطادوا الحيتان؟ إنها صغائر ولكنهم أصروا عليها وتهاونوا فيها فتحولت إلى كبائر. أما العبد المؤمن الصالح إذا وقعت منه زلة فإنه يبادر إلى التوبة الصادقة ويُبادر إلى الإقبال على الله تعالى، ويتوب إليه توبةً نصوحاً.
من الصحابة رضي الله عنهم رجلٌ يقال له ماعز بن أنس رضي الله عنه، هذا الرجل صحابيٌ جليلٌ صالحٌ عابد، أغرته امرأةٌ جاريةٌ فوقع بها بعد أن وسوس له الشيطان. ولما نزع الشيطان عنه وسوسته انتبه إلى ما وقع فيه، فوجد أن الدينا كلها قد اسودت في وجهه، وعاد إلى الله تعالى تائباً منيباً، وجاء إلى النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم وقال: يا رسول الله، إن ماعزاً قد زنى فطهره. فأنكر النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم ذلك وهو يعرف ماعزاً من الصحابة المقربين الطاهرين، فأعرض عنه النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم، فجاءه من جهة أخرى ثم جاءه قبل وجهه، فقال له النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم: " أتعرف ما الزنا؟"  قال: نعم يا رسول الله، أن يأتي الرجلُ المرأة حراماً كما يأتي الرجل أهله حلالاً. قال: أتريد أن أقيم عليك الحد؟ قال: طهرني يا رسول الله طهرني،. فأمر به النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم أن يُرْجم فَرُجم حتى الموت، ومات ورُفعت روحه تائبةً نقيةً إلى الله سبحانه وتعالى. فمرَّ رجلان ورأيا ذلك المشهد وخاضا في ماعز وتكلَّما في عرضه، وسمعهما النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم وبينما هو يمشي في الطريق رأى جيفةَ حمار فقال لهما فلان وفلان، فجاءا فقال لهما فلان من هذا اللحم. فقالا لم يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ما نلتما من عرض أخيكما آنفاً أشدُّ من أكل الميتة " لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم ، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها " .  
و هذا الإمام إبراهيم بن أدهم كان أبوه من ملوك خراسان ، وكان في سهو وغفلة ، فصاح به صائح يوماً فقال له : يا إبراهيم، ما للهو خلقت،((أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون )) فخف من ربك وأعدّ الزاد لقبرك ، فتاب إبراهيم من ساعته وأصبح من العباد. يا إبراهيم ما لهذا خلقت و لا بهذا أُمرت ، فتاب توبةً صادقةً وأصبح فيما بعد من كبار الصالحين الزاهدين .
وكذلك الإمام الفُضيْل بن عياض كان قاطع طريق يسرق ويعتدي على الناس، وذات يومٍ بينما كان يتجه للسطو على أحد البيوت إذ سمع صاحبه يتلو القرآن وهو يقول:
(( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون )) .فما كان منه إلا أن قال بلى قد آن. بلى قد آن يا رب. وتاب توبة نصوحاً. وها هو الفضيلُ اليوم يملأُ كتبَ السلف الصالح زهدا وورعاً وتقوى، ونتناقلُ أخباره ونتغنى بأقواله ونحرصُ ونجتهدُ أن نبلغ المنزلة التي بلغها.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكرمنا جميعاً فتكونَ حياتنا حياة السعداء، ومصيرنا ومنزلتنا منزلة الشهداء، وأن يكرمنا الله تعالى برفقة الأنبياء وبالنصر على الأعداء وأن يرضينا بالقضاء وأن يصبرنا على ما أصابنا إنه على كل شيءٍ قدير وبالإجابة جدير
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم
فيا فوز المستغفرين...

 التعليقات: 1

 مرات القراءة: 4148

 تاريخ النشر: 30/04/2012

2012-04-30

اللهم إنا نسألك عيش السعداء

اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء ونزل الشهداء وعيش السعداء ومرافقة الأنبياء والنصر على الأعداء.. أحسست أن الخطبة كلها موجهة لي بشكل شخصي! أحياناً أشعر بالتعب والضيق من دون سبب، أهي حياة الغرب انتقلت إلينا؟ فسبحان من أراحنا بسجود في جوف الليل. اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله أعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا ، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه ، ومن شر كل دابة أنت أخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم...

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 1527

: - عدد زوار اليوم

5421255

: - عدد الزوار الكلي
[ 81 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan