::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> كلمة المشرف

 

 

الإمام الشافعي رحمه الله تعالى - الجزء الأول

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان ( المشرف العام )  

 

بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغُرّ الميامين، وسلِّم تسليماً كثيرا. اللّهم افتح علينا فتوح العارفين، ووفقنا توفيق الصالحين، واشرح صدورنا، ويسّر أمورنا، ونوّر قلوبنا بنور العلم والفهم والمعرفة واليقين، وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدنا علما، واجعل ما نقوله حجة لنا، ولا تجعله حجة علينا برحمتك يا أرحم الراحمين.
نعيش وإياكم مع الإمام محمد بن إدريس «الشافعي» أبو عبد الله... علم من أعلام المسلمين، وإمام من الأئمة المجتهدين، يرجع نسبه إلى هاشم بن عبد المطلب أحد أجداد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لقد عَدَّ كثيرٌ من العلماء هذا الإمام العظيم واحداً من المجددين، كما ورد في الحديث: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها". أخرجه أبو داود. فكان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أحد أولئك المجددين بفقهه المتميز، وحكمته، وعلومه متعددة الاتجاه؛ فقد كان محدِّثاً، وفقيهاً، ولُغوياً، وشاعراً، وتميّز عن سائر علماء زمانه وعصره بذكاء متميز وبديهة حاضرة.
 
 
^ مولده وبداية نشأته:
أ- مولـده:
ولد بغزة في فلسطين على الأصح، وفي رواية بعسقلان، وفي أخرى باليمن، ولد بمدينة غزة بفلسطين سنة 150 هـ، حيث خرج إليها والده إدريس من مكة في حاجة له، فمات بها وأمه حامل به، فولدته في غزة، ثم عادت به بعد سنتين إلى مكة المكرمة.
ب- بداية نشأته:
بدأ الإمام الشافعي رضي الله عنه حياته وهو محاط باليتم والفقر في آنٍ واحد، فرأت أمه أن تنتقل بولدها إلى مكة؛ لعله إذا عاد إلى أجداده وأعمامه يجد هناك من يرعاه ويكفله ويعتني به، فانتقلت به وهو صغير لا يجاوز السنتين.
وعندما كبر الإمام الشافعي رضي الله عنه كان يحدّث عن نفسه ويقول: "ولدت بغزة سنة خمسين ومئة يوم وفاة أبي حنيفة، فقال الناس: مات إمام وولد إمام. وحُمِلتُ إلى مكة وأنا ابن سنتين".
 
 
^ دراسته وتعلمه:
في مكة المكرمة حفظ القرآن الكريم وهو حَدَثٌ صغير السن، فقد كان شديد الذكاء شديد الحفظ، حتى إنه كان عندما يحفظ الصفحة من القرآن أو اللغة أو الشعر يضع يده على الصفحة المقابلة لئلا تختلطا في حفظه؛ فقد كان يحفظ من أول نظرة للصفحة، ثم أخذ يطلب اللغة والأدب والشعر حتى برع في ذلك كله.
يقول الشافعي رحمه الله تعالى: "حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين". موطأ الإمام مالك كتاب فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع فيه الإمام مالك أسانيده ومروياته، وقواعد فقهه ومذهبه، فحفظها الإمام الشافعي وهو ابن عشر سنين وهذا يدل على شدة ذكائه وجمعه بين القرآن والسنة منذ نعومة أظفاره.
تلقّى الشافعيُّ فقهَ مالكٍ على يد الإمام مالك، وتفقه في مكة على يد شيخ الحرم ومفتيه "مسلم بن خالد الزنجي" و"سفيان بن عيينة الهلالي" وغيرهما من العلماء، ثم رحل إلى اليمن ليتولى منصباً جاءه به "مصعب بن عبد الله القرشي" قاضي اليمن، ثم رحل إلى العراق سنة 184 هـ واطلع على ما عند علماء العراق، وأفادهم بما عليه علماء الحجاز، وعرف "محمد بن الحسن الشيباني" صاحب وتلميذ الإمام أبى حنيفة، وتلقى منه فقه أبي حنيفة، وناظره في مسائل كثيرة، ورفعت هذه المناظرات إلى الخليفة هارون الرشيد فسر بها سروراً كبيرا؛ لأنه بذلك جمع بين مدرستين فقهيتين عظيمتين؛ مدرسة أهل الحجاز، ومدرسة أهل العراق. فمدرسة أهل الحجاز كانت تُعنى بعلوم الحديث والرواية والأسانيد، وأما مدرسة العراقيين فكانت تُعنى بالرأي والعقل والاستنباط والاستنتاج.
ثم رحل من مكة إلى بني هذيل، وبقي فيهم سبع عشرة سنة، وكانوا أفصح العرب، فأخذ عنهم فصاحة اللغة وبيانها وشعرها وقوتها، ثم انصرفت همته لطلب الحديث والفقه من شيوخهما، فحفظ الموطأ وقابل الإمام مالك فأعجب به وبقراءته وبذكائه وشدة حفظه, فوجّهه إلى علم الحديث وأخْذِ الرواية وقال له: "يا ابن أخي! تفقَّهْ تَعْلُ". أي خذ الفقه وادرسه على أهله، يكن لك مقام عالٍ؛ لأنك تروي فقه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول: "من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين". وقال له الإمام مالك أيضاً: "يا محمد! اتّقِ الله فسيكون لك شأن". فالله تعالى يقول:[]...وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ...[] سورة البقرة (282).
 
 
^ رحلاته رضي الله عنه:
رحل الإمام الشافعي رحلات كثيرة كان لها أكبر الأثر في علمه ومعرفته، فقد رحل من مكة إلى بني هذيل، ثم عاد إلى مكة، ومنها رحل للمدينة، ليلقى فيها إمامَ دار الهجرة "مالكاً بن أنس" رضي الله عنه، وبعد وفاة الإمام مالك رضي الله عنه، رحل إلى بغداد، ثم عاد إلى مكة، ثم رجع إلى بغداد، ومنها خرج إلى مصر لينطلق انطلاقة جديدة، ويتوجه توجهاً جديداً، حيث التقى في مصر بعلمائها، وأعطاهم وأخذ منهم. ثم عاد مرة أخرى إلى بغداد سنة 195 هـ لأنها كانت ساحة ومجتمعاً لأهل العلم، وكان الخليفة آنذاك "الأمين"، وأصبح الشافعي في هذه الفترة إماماً مستقلاً، له مذهبه المستقل ومنهجه الخاص به. واستمر بالعراق مدة سنتين عاد بعدها إلى الحجاز بعد أن ألف كتابه "الحجة"، ثم عاد مرة ثالثة إلى العراق سنة 198 هـ، وأقام بها أشهراً، ومن هناك بدأ رحلته إلى مصر سنة 199 هـ ونزل ضيفاً عزيزاً على "عبد الله بن الحكم" بمدينة الفسطاط التي بناها عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه. وبعد أن خالط الإمام الشافعي المصريين وعرف ما عندهم من تقاليد وأعراف وعادات تخالف ما عند أهل العراق والحجاز أعاد النظر في مذهبه الفقهي والذي سمِّي فيما بعد بالمذهب القديم، والذي دونه في كتابه "الحجة"، ثم بدأ يُعِد مذهباً جديداً وضعه من خلال كتابه الجديد "الأم" وهو الذي سمي بالمذهب الجديد للإمام الشافعي رحمه الله تعالى. وقد أملى كتابه "الأم" على تلاميذه في مصر، وبذلك أصبح مذهب الإمام الشافعي مذهباً وسطاً بين أهل الحديث في الحجاز وأهل الرأي في العراق..
وقد رتب الشافعي أصول مذهبه كالآتي: كتاب الله أولاً، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ثانياً، ثم الإجماع والقياس والعرف والاستصحاب... وهكذا كان مذهبه دقيقاً من حيث أصوله وفروعه، وقد دون الشافعي مذهبه بنفسه.
ويعد الشافعي أول من ألّف في علم أصول الفقه، ويتضح ذلك في كتابه المسمى "الرسالة"، وقد كتبها في مكة وأرسلها إلى "عبد الرحمن بن مهدي" حاكم العراق حينذاك - مع الحارث بن شريح الخوارزمي البغدادي الذي سمى بالنقال بسبب نقله هذه الرسالة ولما رحل الشافعي إلى مصر أملاها مرة أخرى على "الربيع بن سليمان المرادي" وقد سمى ما أملاه على الربيع بـ"الرسالة الجديدة" وما أرسله إلى "عبد الرحمن المهدي" بـ"الرسالة القديمة"، وقد ذهبت الرسالة القديمة ولم يبقَ منها شيء، وما بين أيدينا هو الرسالة الجديدة التي أملاها على الربيع.
يقول الإمام"ابن خَلِّكان" في كتابه "وفيات الأعيان" متحدثاً عن رحلة الإمام الشافعي: "وحديث رحلته إلى الإمام مالك مشهور، فلا حاجة إلى التطويل فيه، قدم الشافعي بغداد سنة 195هـ، فأقام فيها سنتين، ثم خرج إلى مكة، ثم عاد إلى بغداد سنة 198هـ فأقام فيها شهراً، ثم خرج إلى مصر، وكان وصوله إليها سنة 199هـ وقيل سنة 201هـ، ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة 204هـ".
 
يتبع ..
 

 

 التعليقات: 0

 مرات القراءة: 3427

 تاريخ النشر: 16/04/2012

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 53

: - عدد زوار اليوم

5416633

: - عدد الزوار الكلي
[ 27 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan