::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> خطب الجمعة

 

 

الكلمة الطيِّبة

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان (المشرف العام)  

 

خطبة الجمعة بتاريخ 30/3/2012
                                   في جامع العثمان بدمشق
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، يا ربَّنا لك الحمدُ كما ينبغي لجلالِ وجهكَ وعظيمِ سلطانك، سُبحانكَ لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك.. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، لهُ الملك ولهُ الحمد يُحيي ويميتُ وهو على كل شيءٍ قدير، وأشهدُ أن سيِّدنا ونبيِّنا وحبيبنا مُحمَّداً عبدُه ورسولُه وصفيُّه وخليلُه.. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على هذا النبيّ الكريم، صلاةً تنحلُّ بها العُقَد، وتَنْفَرجُ بها الكُرَب، وتُقْضى بها الحوائج، وتُنال بها الرغائب وحُسنُ الخواتيم، ويُستسقى الغمام بوجههِ الكريم، وعلى آلهِ وصحبهِ وسلّم تسليماً كثيراً..
أما بعدُ فيا عباد الله: أُوصي نفسي وإيَّاكم بتقوى الله تعالى.. وأحثُّكم على طاعتهِ والتمسُّك بكتابه، والالتزام بسُنَّة نبيّه سيدنا محمدٍ صلَّى الله عليهِ وسلَّم ومنهاجِه إلى يومِ الدِّين..
يقول الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم في سورة سيدنا ابراهيم عليه السلام: ((ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء)) [إبراهيم:24].
صفات الكلمة الطيبة.. أما الصفة الأولى فهي شجرة طيبة المظهر، طيبة الرائحة، طيبة الطعم، يُنتفع بها في كل الأوقات (كشجرةٍ طيبة) هكذا قال الله سبحانه وتعالى.. طيب منظرها وطعمها وحسن ورقها وزكية رائحتها.. (أصلها ثابت) ضاربةٌ جذورها في الأرض، لها عمقٌ وأصلٌ مكين، فروعها في السماء، مرتفعة عن الأرض وما يحدث في الأرض من عفنٍ في التربة أو أذىً من شوكٍ أو حجرٍ أو نحو ذلك، فروعها في السماء (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) هي شجرة مثمرة ينتفع الإنسان بثمرها بورقها وبأغصانها فهي خير كلها للإنسان.. هذه الشجرة الطيبة تشبه المؤمن.. إنها شجرة النخيل كما يخبرنا بذلك سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث يقول: : ( كنا عند رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم فقال : " أخبروني عن شجرة تشبه الرجل المسلم – أو كالرجل المسلم – لا يتحاتُّ ورقها صيفاً و لا شتاء ، و تؤتي أكلها كلَّ حين بإذن ربها " . فقال ابن عمر : فوقع في نفسي أنها النخلة ، و رأيت أبا بكر و عمر لا يتكلمان ، فكرهت أن أتكلم ، فلما لم يقولوا شيئاً ، فقال رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم: هي النخلة) .
الشجرة الطيبة هي النخلة، وشجرة النخيل شجرة معروفة مشهورة فيه شجرة باسقة الطول، مرتفعة الأغصان، دائمة الخضرة، مثمرةٌ ولها آثار طيبة فيما بين الناس، ينتفع الناس في ظلها وينتفع الناس بحطبها إذا هي أصبحت يابسة، فهي خيرٌ كلها.. وكذلك ينبغي أن يكون المؤمن خيراً يُنْتَفَعُ به في كل أحواله، وقد جاء في حديث يرويه الإمام الطبراني عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم قال: : " مثلُ المؤمن كالنخلة كلُّ شيء منها يُنْتَفَعُ به ."
- وفي المقابل ضرب الله تعالى مثلاً للكلمة الخبيثة وهي كلمة الكفر، وكلمة الضلال، بالشجرة الخبيثة، وهي شجرة الحنظل طعمها مرّ علقم، لا يُنْتَفَعُ بها فهي كالشوك مؤذية وليس لها رائحةٌ زكيةٌ ولا مظهر جميل، وكذلك الكلمة الخبيثة كلمة الكفر والضلال، إنها كالشجرة الخبيثة المؤذية رائحتها نتنة، منظرها قبيح، فحذرنا الله سبحانه وتعالى من أن تكون كلمتنا كلمةً خبيثة، وأن تكون حياتنا حياةً خبيثة لا يُنْتَفَعُ بها، لا ينتفع المؤمن نفسه بمدة حياته التي يقضيها ولا ينتفع الناس منه فلا يكون خيراً ولا نفّاعة للناس جميعاً، والمؤمن نفّاعة.
- هذه الآيات الكريمة فيها فقه عظيم وإرشادٌ مبين إلى ضرورة أن يتحلى المؤمن بالكلمة الطيبة كلمةِ التوحيد، فكلمة لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله تأمر المؤمن أن يكون كلامه حسناً فالله سبحانه وتعالى يقول: ((وقولوا للناس حسنا)) [البقرة:83]
و يقول سبحانه : (( و قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً )) ؛ لأن الشيطان أيها الإخوة إنما ينزغ بين الناس ويحرك العداوة ويدعو أن يغلب بعض الناس بعضاً، وأن يتجاوز البعض على البعض الآخر فيتعدى حدوده ولا يلتزم بما أمره الله سبحانه وتعالى. وهذا القول الحسن إنما هو منطق الأنبياء، إنما هو حياة الصلحاء، ومنهج الأبرياء، فالله سبحانه وتعالى عندما أرسل موسى وهارون إلى فرعون عدو الله الأكبر قال لهما: ((فقولا له قولاً لينا)) [طه:44]، هذا القول اللين ربما يجعله يذكر وربما يدعو الإنسان المتكبر إلى أن يعتذر، والنبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم سيدنا محمد قال الله تعالى له في القرآن الكريم: ((فبما رحمة من الله لنت لهم)) [آل عمران:159]. 
وقد ضرب لنا سيدنا رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم أروع الأمثلة في ذلك عندما قال: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".. فكانت خيرية النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم إنما بدأت من أسرته، فكان خيره لأسرته في الدرجة الأولى، ثم عمَّ خيره إلى الناس من حوله فقال الله تعالى له: ((وأنذر عشيرتك الأقربين)) [الشعراء:214ٍ]، فكانت الدعوة الإسلامية أول ما بدأت وأول من دعي إليها هم أعمام النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم وآله وأقاربه وأرحامه فأسرع منهم من أسرع إلى الإسلام، وضلَّ منهم من بقي على غير الإسلام، وما ذلك إلا لأن دعوة النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم جاءت بالكلمة الطيبة الحسنة التي تقرب فيما بين الناس وتذهب من بينهم ما بينهم من آثار الغل والحسد والضغينة والشحناء والبغضاء. يقول سيدنا رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم في حديثٍ يبين فيه أفضل الناس وقد سُئل: أي الناس أفضل يا رسول الله؟ فقال: "كل مخموم القلب صدوق اللسان". قالوا: يا رسول الله أما صدوق اللسان فعرفناه فما مخموم القلب؟ قال: "هو الذي لا إثم فيه ولا غل ولا حسد". هو قلبٌ لا إثم فيه ولا شحناء ولا غل ولا حسد.. فإذا خلا قلب الإنسان المؤمن من هذه الصفات الذميمة أصبح قلباً مستعداً ليبذل كل الخير لهذه الأمة وليكون نفاعة لأمته ولوطنه وللناس أجمعين...
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل قلوبنا نقية، خالية من الشحناء والبغضاء، اللهم أصلح فساد قلوبنا وأصلح أحوالنا إنك على كل شيءٍ قدير وبالإجابة جدير..
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فيا فوز المستغفرين...

 التعليقات: 1

 مرات القراءة: 3263

 تاريخ النشر: 07/04/2012

2012-04-07

علا عبد الله صبَّاغ

جزاك الله كل خير.. جميلٌ جدا تشبيه المؤمن بالنخلة، وأحب أن أقتبس من خطبة جمعة سابقة تشبيه المؤمن بالنحلة.. "شبه النبي عليه الصلاة والسلام المؤمن بالنحلة، فالنحلة تقف على الزهور و الأغصان، فلا تكسر غصناً ولا تؤذي زهراً وتنتفع بهما، ثم يخرج منها إنتاجٌ طيب ألا وهو العسل الذي وصفه الله تعالى بأنه شفاءٌ للناس. فالمؤمن بصفاته الحسنى وفضائله يشبه النحلة، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: "والذي نفسي بيده، إن مثل المؤمن كمثل النحلة، أكلت طيباً ووضعت طيباً ووقعت على عودٍ فلم تكسره ولم تفسده". هذه النحلة كان لها إنتاج طيب، وهكذا هو المؤمن ينبغي أن يكون إنتاجه طيباً."

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 42

: - عدد زوار اليوم

5413640

: - عدد الزوار الكلي
[ 42 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan