::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> كلمة المشرف

 

 

نظرة الدين إلى الجشع و الطمع

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان  

 

يقول الله تعالى في القرآن الكريم : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأكُلُوا أَموَالَكُم بَينَكُم بِالبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنكُم وَلا تَقتُلُوا أَنفُسَكُم إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُم رَحِيمًا* وَمَن يَفعَلْ ذَلِكَ عُدوَانًا وَظُلمًا فَسَوفَ نُصلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾. [النساء:29-30]
ويقول: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275].
في هذه الآيات الكريمات نرى إشارةً ودلالةً واضحة إلى مشروعية البيع والتجارة في ظل الإسلام، وإلى أن الإنسان المسلم له أن ينهج في حياته منهجاً تجارياً، وأن يكسب به المال الحلال، ويعفَّ نفسه عن الحرام، ويمنع أولاده عن السؤال، ويعيش عيشةً هنيئةً كريمة سوية..
فقد أباح الله سبحانه البيع، ولكنه في المقابل حرَّم الربا، وقد أباح الله تعالى أكل الطيبات من الرزق ولكنه حرَّم أكل المال بالباطل ، وحرّم كل الأنواع التي يكتسب بها الإنسان مالاً حراماً..
وقد جاء النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم برسالةٍ تدعو المؤمن أن يكون قوياً لا ضعيفاً، فجعل المؤمن القوي خيراً من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير.
² المؤمن قوي بغناه..
ـ ومن أسباب القوة تحصيل المال عن طريق الكسب المشروع.
ـ ومن أسباب القوة الغِنى: بأن يكون المال بين أيدينا لا في قلوبنا.
لأن النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم سأل أبا ذرٍ رضي الله عنه ذات مرة فقال: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَرَى كَثرَةَ المَالِ هُوَ الغِنى؟" فقال: نَعَم يَا رَسُولَ اللهِ، فقَالَ: "فَتَرَى قِلَّةَ المَالِ هُوَ الفَقرَ؟" فقال: نَعَم يَا رَسُولَ اللهِ. فقَالَ: "إِنَّمَا الغِنى غِنى القَلبِ، وَالفَقرُ فَقرُ القَلبِ" رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ.
وللحديث رواية أخرى يقول فيها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "لَيسَ الغِنى عَن كَثرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنى غِنى النَّفسِ" مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.. فالإسلام مع أن نكون أغنياء لأن الغني يحقق ويقيم ركناً عظيماً من أركان الدين ألا وهو الزكاة.
إذاً النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم يحثنا على أن نكون أقوياء وأن نكون أغنياء وأن نكسب كسباً مشروعاً فيتلاقى كل من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة على هدفٍ واحد: ألا وهو مشروعية البيع الحلال، ومشروعية التجارة المباحة، ومشروعية الكسب الطيب، الذي أباحه الله سبحانه وتعالى. وكذلك يتفق القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة على تحريم أكل المال بالباطل، وعلى تحريم أكل المال إذا كان فيه شبهة حرام، وعلى تحريم أكل المال إذا كان تحصيله عن طرق ملتوية كالرشوة والغش والخداع والربح الفاسق وغير ذلك من أنواع الكسب غير المشروع وخاصةً في زمن الأزمات..
ولكن أهل الطمع وأهل الجشع يغتنمون أيام الأزمات و الشدائد ليرفعوا الأسعار ويغشوا الناس ويمارسوا عليهم الاحتكار.. وكذلك في أيام الشدائد والأزمات هناك مشكلة كبيرة تقع فيما بين الناس ألا وهي أن الناس لا يرحم بعضهم بعضاً ولا ينظر بعضهم إلى واقع بعض بنوع من المحبة والتراحم.
² البيع المبرور..
 يقول النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم في الحديث الصحيح: "أَطيَبُ الكَسبِ عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيعٍ مَبرُورٍ" رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ. وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيرًا مِن أَن يَأكُلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبيَّ اللهِ دَاوُدَ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - كَانَ يَأكُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَغَيرُهُ. أي أن يكون له حرفة ويكون ذا مهنة، يعمل بالتجارة أو الزراعة أو الصناعة كما كان عليه حال الأنبياء عليهم السلام فهم أول من شرَّع العمل...
فسيدنا آدم كان مزارعاً وهو أول من حرث الأرض وبذر الحبَّ فيها وزرع القمح.. وسيدنا داوود كان حداداً.. وسيدنا نوح كان نجاراً.. وسيدنا إدريس كان خطاطاً..
والنبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم يقول: "ما من نبي إلا ورعى الغنم".. قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: "حتى أنا رعيتها على قراريط لأهل مكة". وكان النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم يعمل بالتجارة فيتاجر بمال السيدة خديجة وسافر بتجارتها إلى الشام ووصل إلى بصرى.. إذاً عمل الرجل في يده من أطيب أنواع الكسب..
وقال عليه السلام وكل بيع مبرور.. ما هو البيع المبرور؟ البيع المبرور هو البيع الذي لا غش فيه. لأن النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم حرّم كل أنواع الغش حينما قال: "من غشّ فليس منّا".
 فالبيع المبرور ينبغي أن يكون خالياً عن الغش.. البيع المبرور ليس في نوعٍ من أنواعه احتكار.. لأن النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم يقول: "لا يَحتَكِرُ إِلاَّ خَاطِئٌ" أي آثم.. يأثم الرجل التاجر الذي يحتكر البضائع.. يدّخرها أو يشتريها ويجمعها من الأسواق ومن التجار لتكون عنده، ثم تباع بطريقة ليس فيها رحمة للمشتري وخاصة الفقراء.. البيع المبرور ليس فيه جشع أو طمع، ليس فيه تشدد أو قسوة أو استغلال لحال الناس.. أوَ ما سمعتم قول النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم: "قَد أَفلَحَ مَن أَسلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللهُ بما آتَاهُ".. والكفاف أن لا يكون لك حقوق ولا عليك التزامات و ذمم .
ثم قال: وَقَنَّعَهُ اللهُ بما آتَاهُ أي أن يعيش القناعة فيما رزقه الله تعالى.. و قد ورد في الحديث: "ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس".. هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام.. وكذلك يقول النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم وهو يتحدث عن التجار: "رَحِمَ اللهُ رَجُلاً سَمحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشتَرَى وَإِذَا اقتَضَى" رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
فالتاجر المسلم سمح في البيع، يسهل على الناس في البيع ويُيسر عليهم أمورهم.. سمح في الشراء والقضاء.. إذا كان له الحق يتسامح وييسر على الآخرين..
وقال النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم وهو يحدث أصحابه عن فضل اليسر والسهولة في عملية التجارة: "كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، وَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيتَ مُعسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنهُ لَعَلَّ اللهَ أَن يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَقِيَ اللهَ فَتَجَاوَزَ عَنهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. كان الرجل ينظر إلى يوم القيامة.. يقول النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم فتجاوز الله عنه لأنه كان يتجاوز عن الناس أي يسهل عملية اقتضاء واستيفاء المال منهم.
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّن كَانَ قَبلَكُم فَلَم يُوجَدْ لَهُ مِنَ الخَيرِ شَيءٌ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَكَانَ مُوَسِرًا، وَكَانَ يَأمُرُ غِلمَانَهُ أَن يَتَجَاوَزُوا عَنِ المُعسِرِ. قَالَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: نَحنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنهُ، تَجَاوَزُوا عَنهُ" رَوَاهُ مُسلِمٌ.
يقول النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم: "من أنظر معسراً أو وضع له أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله".
أيها الإخوة القراء هكذا تسير الأمور في أيام الشدائد والأزمات بنوعٍ من التكافل والتعاون.. وفي الوقت نفسه يحثنا الإسلام أن نظل في كسبنا الحلال عند المباحات، وأن نحذر من الوقوع في الشبهات، ومن باب أولى أن نقع في الحرام.. فيقول النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم وهو يتحدث عن نفسه، وهو النبي الذي رفع الله عنه كل شيء وعصمه عن الوقوع في الذلة يقول: "إني لأنقلب إلى أهلي فأجد الثمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها" هكذا كان يتعامل سيدنا رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم والسلف الصالح بالابتعاد عن الشبهات..
² ولنا في السلف الصالح نماذج عديدة..
فسيدنا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: أطعمه غلامه طعاماً فوجد له حلاوة فقال له: إن هذا الطعام من مال اكتسبته في الجاهلية لكهانةٍ تكهنت بها. (أي كنت أعمل بالكهانة وأخذت على هذا العمل أجراً).. فما كان من سيدنا أبي بكر رضي الله عنه إلا أن وضع أصبعه في حلقه فاستقاء ما أكل حتى كادت تخرج نفسه.. إنها شبهات.. وكانوا يحذرون الوقوع في الشبهات.
وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سقاه رجلٌ كأساً من لبن فوجده طيباً فقال من أين أتيت به؟ هذا نوع من اللبن طيب. فقال يا أمير المؤمنين مررت على إبل الصدقة –إبل بيت المال- فوجدتها على الماء فأخذت من لبنها وسقيتك منها. فما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن استقاء خشية أن يدخل شيء في جسمه أو أن ينتفع بمال بيت المال وهو مال المسلمين ليس ماله..
وسيدنا علي رضي الله عنه يقول: الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب وشبهتها عتاب.
هكذا كان السلف الصالح، وهكذا يجب أن نكون نحن.. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا من الحلال.. ويرضينا بالحلال.. ويقنعنا بالحلال.. ويبعد عنّا الحرام وشبهة الحرام..
 

 التعليقات: 4

 مرات القراءة: 11166

 تاريخ النشر: 17/01/2012

2012-02-04

المحب غسان خريج المعهد

بارك الله بكم و نفعنا بكم و حماكم الله من كل سوء ...........ورحم الله فقيه الشام العلامة الشيخ عبد الرزاق الحلبي و عظم الله أجركم ورزق أهله ومحبيه وتلاميذه الصبر و السلوان......

 
2012-01-20

علاء الدين ال رشي

فضيلة الشيخ اللي نسيان محبيه وين التعليق تبعي

 
2012-01-19

شادية شيخ محمد

تحت وطأت الحاجة نشتري السلعة بعشرة أضعاف نسأل الله العفو والعافية هدى الله إخوتنا التجار ولعل هذه مهمة المنابر يوم الجمعة فهي التي يتردد إليها كبار التجار وصغارهم فربما لا يقرؤون هكذا مقالات عالنت

 
2012-01-19

علاء الدين آل رشي

بارك الله بجهادكم المعرفي ولكن لدي سؤال فضيلة الشيخ لما لا تؤكدون أن العبادات الحقيقية هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر وأن من أركان التدين السليم أن نشيع خلق التكافل الاجتماعي وأن أي تصرف يخدش آمان المجتمع ( إقتصادياأو خلقيا أوسياسيا) هو مرفوض شرعا وتدينا وخلقا وحضارة دمت في عزة

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 11

: - عدد زوار اليوم

5416591

: - عدد الزوار الكلي
[ 29 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan