::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> كلمة المشرف

 

 

معجزة الإسراء والمعراج.. دروسٌ وعبر..

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان (المشرف العام)  

 


 
? بقلم: الشيخ محمد خير الطرشان
 
معجزة الإسراء والمعراج كانت رحلة تكريم وتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أصابه ما أصابه من كفار قريش، كرمه بها الله سبحانه حيث صبر وصابر وتحمل، وكانت بالروح والجسد معاً، وكانت في اليقظة ولم تكن في المنام، فما هي رحلة الإسراء والمعراج؟ وما الذي حدث بعدها؟ وما هي أهم الدروس والعبر التي يستنتجها المؤمن من تلك الرحلة لتفيده في حياته؟؟...
 
 ~رحلة الإسراء والمعراج }
نورد هنا حديثين صحيحين عن هذه الرحلة، ورد أحدهما في صحيح مسلم، والآخر في صحيح البخاري.
G أورد الإمام مسلم في صحيحه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"أُتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل عليه السلام: اخترت الفطرة".
A الحديث الثاني ورد في صحيحي البخاري، وكذلك ورد في صحيح مسلم، عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به:
"بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعاً إذ أتاني آت (هو جبريل عليه السلام) فقدَّ، قال وسمعته يقول: فشق ما بين هذه إلى هذه (وقصد بذلك من ثغرة نحره إلى ما تحت سرته) فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيماناً، فغُسل قلبي ثم حُشي ثم أُعيد، ثم أُتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، وهو البراق، (يقول سيدنا أنس رضي الله عنه: نعم يضع خطوه عند أقصى طرفه)، فحُملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحباً به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصتُ فإذا فيها آدم فقال جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه، فردَّ السلام ثم قال مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صُعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة قال جبريل: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحباً به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أو قد أرسل إليه قال نعم قيل مرحباً به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إلى إدريس قال هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد صلى الله عليه وسلم قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحباً به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا هارون قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل من معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قال مرحباً به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي، ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قال مرحباً به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا إبراهيم قال هذا أبوك فسلم عليه قال فسلمت عليه فرد السلام قال مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم رفعت لي سدرة المنتهى (وهي شجرة عظيمة في الجنة) فإذا نبقها (أي ثمرها) مثل قلال هجر (القلال جمع قلة: الجرة الكبيرة، وهجر: قرية بالبحرين يضرب بها المثل لكبر قلالها) وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال جبريل عليه السلام: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت ما هذان يا جبريل قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات (إذاً أكد النبي صلى الله عليه وسلم أن النيل والفرات أصلهما نهران في الجنة وأن لهما منزلة كبيرة لذلك اختار الله أن يبدأ مجراهما من الجنة) ثم رفع لي البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال جبريل هي الفطرة أنت عليها وأمتك، ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم فرجعت فمررت على موسى فقال بم أمرت قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فرجعت فوضع عني عشراً فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشراً فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشراً فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم فرجعت فقال مثله فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال بما أمرت قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال سألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم قال فلما جاوزت نادى مناد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي".
 
~ ما الذي حدث بعد الإسراء والمعراج؟ }
وقعت حادثة الإسراء والمعراج قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بسنة ونصف على أبعد تقدير من المؤرخين، ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من رحلته الميمونة هذه كان أول ما فعله أن أخبر قومه بذلك، فقال لهم في مجلس حضره سادات قريش كالمطعم بن عدي وعمرو بن هشام والوليد بن المغيرة، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم مفتخراً بما أكرمه الله به من هذه الرحلة العظيمة: "إني صليت الليلة العشاء في هذا المسجد، وصليت به الغداة (الفجر)، وأتيت فيما دون ذلك بيت المقدس، فنشر لي رهط من الأنبياء منهم إبراهيم وموسى وعيسى، وصليت بهم وكلمتهم"، فقال له عمرو بن هشام كالمستهزئ به: (صليت العشاء في مكة، ثم صليت الفجر هنا، وما بينهما زرتَ بيت المقدس وعرجت إلى السماوات ثم عدتَ إلينا سالماً، صفهم لنا). وكان أهل مكة قد اطلعوا على أخبار سيدنا موسى وعيسى وإبراهيم عليهم السلام وصفاتهم الخَلقية والخلقية، فقال النبي: "أما عيسى فهو فوق الربعة ودون الطول (أي وسط القامة) عريض الصدر ظاهر الدم (أي عروقه تكاد تتفجر من وجهه من شدة بياضه وحمرة وجهه) وهو أشعر (شديد الشعر) تعلوه صهبة (البياض الممزوج بحمرة) كأنه عروة بن مسعود الثقفي، وأما موسى فضخمٌ عظيمٌ آدم (أي أسمر) طوال كأنه من رجال شنوءة (قبيلة شنوءة عُرفت بأن رجالها طوال القامة) متراكب الأسنان مقلص الشفة خارج اللثة عابس (أي تعلوه هيبة) وأما إبراهيم فوالله إنه لأشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً".
فأول ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قومه أنه وصف لهم ما حدث معه في هذا اللقاء وأنه اجتمع بالأنبياء ووصف كل واحد من الأنبياء بصفته التي رآها فيه.
هنا سيبدأ القرشيون المعاندون الجاحدون بتحدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وطرح بعض الأسئلة التي فيها دقة وتركيز فقالوا: (يا محمد صف لنا بيت المقدس)، فقال لهم: "دخلتُ ليلاً وخرجت منه ليلاً"، أي لم ينتبه إلى شيء من صفاته التي أرادوها، وفي هذه الأثناء إذا بجبريل عليه السلام يأتي بالمسجد الأقصى على جناحه ويضعه أمام النبي صلى الله عليه وسلم فجعل النبي ينظر إليه ويقول: "فيه باب من كذا، وباب من كذا، وفي موضع كذا يوجد كذا"، حتى أنه جلاه لهم ووصفه لهم وذكر لهم عدد سواريه، فلم يكتفوا بذلك، بل أرادوا أن يختبروا صحة كلام الرسول أكثر، فسألوه عن عير قريش التي ترعى في البادية فقال لهم: "أتيت على عير بني فلان بالروحاء (منطقة يقال لها الروحاء مشهورة عند أهل مكة بأنها كثيرة الكلأ وكانت ترعى فيها الماشية والأغنام والجمال) قد ضلت ناقة لهم فانطلقوا في طلبها فانتهيت في رحالهم ليس فيها أحد منهم، وإذا قدح ماء فشربت منه، فاسألوهم عن ذلك"، فقالوا: (هذه والله آية)، ثم تابع النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فقال: "ثم انتهيت إلى عير بني فلان فنفرت مني وبرك منها جمل أحمر عليه جوالق (الجوالق هو العدل الذي يوضع فيه المتاع) مخططة ببياض لا أدري أكسر ذلك العير أم لا فاسألوهم عن ذلك"، قالوا: (هذه والإله آية أخرى)، ثم تابع النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "ثم أتيت إلى عير بني فلان في التنعيم يتقدمها جمل أورق (أبيض ملون بالأسود) وها هي تطلع عليكم الآن من الثنية"، فقال الوليد بن المغيرة لما سمع دقة وصف النبي صلى الله عليه وسلم: (يا لك من ساحر)، فانطلقوا فنظروا ذلك البعير الذي وصفه النبي عليه السلام بأنه يأتي من الثنية المرتفعة فإذا بالأمر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدوها كما ذكر، عند ذلك رموه بالسحر وقالوا: (صدق الوليد بن المغيرة فيما قال).
لأنهم لم يعتادوا على الدقة في نقل المعلومات، ولم يتعودوا المعجزات التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرهم بما حدث من الأمور أو بما هو يحدث الآن معتمداً على توفيق الله ومستعيناً بالوحي الأمين سيدنا جبريل عليه السلام في صدق المعلومات التي كان ينقلها.
إذاً هذه الحادثة وهذه الإنباءات وهذه الآيات وهذه العلامات التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت فتنة لبعض الناس فافتتن بها القوم وخاصة من كان الإيمان في قلبه ضعيفاً، فما كان منه إلا أن ارتد بعضهم عن دين الله وقالوا متأثرين بقول المغيرة أنه ساحر، وذهب بعضهم في حالة من التشكيك بما حدثهم به النبي صلى الله عليه وسلم فذهبوا على سيدنا أبي بكر فقالوا له: (هل لك على صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس)، فقال أبو بكر: أو قال ذلك؟، قالوا: نعم، فقال رضي الله عنه: (لئن كان قال ذلك لقد صدق!!)، قالوا: أتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن تصبح؟، قال: (نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة)، ولأجل ذلك سمي سيدنا أبو بكر رضي الله عنه بالصديق، لأنه صدق خبر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يخطر في باله ولم يشك للحظة أن النبي لم يكن صادقاً في كلامه، وهذا دليل على قوة إيمانه وصدق محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
~ دروسٌ وعِبَر من رحلة الإسراء والمعراج }
ما هي الدلالات التي نستنتجها من رحلة الإسراء والمعراج؟ ما هي الدروس التي تنعكس على إيمان المؤمن وتزيده ثقةً بالله تعالى؟.. ما هي أهم العبر التي نأخذها من رحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه؟..
 
Œ الدرس الأول:
كل محنةٍ وراءها منحة: فكل محنة وشدة وراءها منحة وعطاء وتكريم من الله، فبعد هذه المحن والشدائد والصعوبات والإيذاء الذي تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم في الفترة الزمنية التي سبقت الإسراء والمعراج جاءت رحلة التكريم ورحلة الإعجاز الإلهي العظيم لتثبيت قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكي يزداد إيماناً ويقيناً بما يدعو إليه من رسالة ربنا، إذاً بعد كل محنة منحة وعطاء من الله، وقد تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحن عظيمة وشديدة، فهذه قريش قد سدت كل الطرق في وجه الدعوة إلى الله في مكة المكرمة، وفي ثقيف، وفي سائر القبائل العربية، وأحكمت الحصار ضد الدعوة الإسلامية، ووقفت في وجه رجالات الدعوة من كل جانب، ولم تفسح لهم المجال في نقل هذه الرسالة وتبليغ هذه الأمانة بأي سبيل من السبل التي كانوا يتخذونها، وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم في خطر عظيم بعد وفاة عمه أبي طالب الذي كان أكبر حماته والمدافعين عنه، وأصابه حزن شديد بعد فقد زوجته ومؤنس حياته السيدة خديجة رضي الله عنها، ومع ذلك فقد ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم ماضياً في طريقه صابراً محتسباً في تبليغ أمر ربه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يتأثر بكيد مستهزئ أو ساخر أو من يسيء له بأي كلمة من الكلمات التي كان يتعرض لها كاتهامه بأنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو غير ذلك.
إذاً آن الأوان للمنحة الربانية والعطاء الإلهي بلا حدود، فجاءت رحلة الإسراء والمعراج على موعد من رب العالمين فاختاره الله دون جميع الخلائق ليكرمه على صبره وجهاده ولكي يخاطبه دون واسطة ومن غير حجاب، ولكي يطلعه على عوالم الغيب دون الخلق أجمعين، وأكرمه بعد ذلك بأن جمعه بإخوانه من الأنبياء والرسل في السماوات سماء تلو سماء تلو سماء، فكان إشعاراً بأنه إمامهم وقدوتهم وخاتمهم، وأنه آخر الأنبياء على الإطلاق، وهذه نعمة عظيمة ومنحة كريمة ما وراءها منحة، وهذا درسً عظيم لكل مسلم يتعرض لشدة أو تصيبه منحة أو كرب فإذا صبر وتحمل الشدائد فلا شك أن الله سيكرمه بالعطاءات الإلهية والمنح الربانية، وإن كل محنة وراءها منحة فلنصبر ولنحتسب ولنتق الله إذا تعرضنا لمحنة أو شدة في حياتنا، فلعل الله يكرمنا بعدها بالمنح والعطاءات الكريمة.
 
 الدرس الثاني:
الأمر الآخر يتبين لنا من خلال الزمن الذي كان يعيشه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أنه كان يتهيأ للهجرة ولإقامة عاصمة للدولة الإسلامية هناك في المدينة، فبعد أن ضاقت عليه مكة بما رحبت نتيجة عدوان أهلها وطغيانهم، ثم ما تعرض له في ثقيف والطائف، آن الأوان لكي يبحث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المكان الأكثر أماناً والأكثر استقراراً للدعوة الإسلامية، فلا بد من الانتقال إذاً إلى المدينة المنورة.
وإقامة الدولة تحتاج إلى قواعد متينة وأساسات عظيمة، وإلى بنيان راسخ يخلو من المنافقين ويخلو من المترددين ومن تزعزع إيمانه، فهذه المرحلة التي يمر بها النبي صلى الله عليه وسلم تحتاج  إلى أن تكون مرحلة قوية. لذلك اختبر الله سبحانه وتعالى إيمان المؤمنين وبرز بعد هذه الحادثة المنافقون من المؤمنين، فالذين صدقوا أمثال سيدنا أبي بكر الصديق كانوا أول من دعم وساند وثبت مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما انتقل إلى المدينة، فكانوا أجنحة له وكانوا حواريين له، وكانوا داعمين ومؤيدين سفراً وحضراً، ولم يرَ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كل صدق وصبر وثبات ومصابرة.
((ألم أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)) [العنكبوت: 1-2]، إذاً فُتن من فتن، ونجح من نجح، وفاز من فاز، وخسر من خسر في هذه الامتحانات الربانية.
ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة المؤمنون الصادقون، وابتعد عنه المتزعزعون في عقيدتهم الذي كانوا مترددين لا إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين، حالة النفاق هذه تخلص منها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة الضرورية فبرز المنافقون وظهروا على حقيقتهم، إذا كانت فرصة قوية للمؤمنين، كي يترسخ الإيمان في قلوبهم أمام هذه المعجزة العظيمة، كما أنه كان فرصة ليكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان منهم منافقاً ومن كان إيمانه ضعيفاً.
 
Ž الدرس الثالث:
تبدو شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم واضحة في مواجهة المشركين بأمر تنكره عقولهم، ولا تدركه تصوراتهم، ولم يمنع رسول الله من الجهر بما يعتقد به الخوف من مواجهتهم أو نكرانهم أو استهزائهم به فضرب بذلك أروع الأمثلة لأمته في الجهر بالحق أمام أهل الباطل وإن تجمعوا ضد الحق وأهله وجندوا من أجل ذلك كل شياطينهم وكل وسائلهم.
وكان من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة حجته على المشركين أن حدثهم عن إسرائه إلى بيت المقدس وأبدى لهم الدلالات والعلامات التي حجة قطعية، فأعطاهم أدلة بالأرقام، ولغة الأرقام لا تزال إلى اليوم اللغة الأكثر دخولاً إلى العقل، والدعوة الإسلامية منذ عصورها الأولى إلى اليوم تعتمد لغة الحجة والبرهان والدليل، لغة التوثيق ولغة الإحصاءات، الإحصاءات بالأرقام كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أخبرهم فوصف لهم بيت المقدس باباً في الموضع الفلاني وباباً في الموضع الفلاني، وعدد سواريه، وعدد فوانيسه، وكل ما يتعلق به أعطاهم إياه بالأرقام فلم يعد لديهم أي حجة للإنكار، بعد ذلك أخبرهم كدلائل بلغة التوثيق عن البعير التي كانت بالروحاء وعن البعير الثانية التي نفرت منها الإبل، ثم عن البعير التي كانت بالأبواء ووصف لهم الجمل الذي يتقدمها بأنه أورق.
إذاً هذه اللغة لغة تحدٍّ من النبي صلى الله عليه وسلم لقومه تعطينا مؤشراً ودليلاً على أن صاحب الحق ينبغي أن يقول ويذكر حقه بقوة دونما خوف، فالنبي رغم توقعه بأنهم سيستهزؤون به ويتنكرون لما سيحدثهم به، مع ذلك حدثهم برحلته ليكشف إيمان المؤمن، وصدق الصادق، وكذب الكاذب.
ونحن نستفيد من ذلك درساً عظيماً، وهو أننا حينما نكون أصحاب حق في قضية من القضايا، فعلينا أن نتحدث بحقنا بقوة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لصاحب الحق مقالاً"، أي فلتسمع مقالته وليترك صاحب الحق أن يبين حقه ما له وما عليه، وأن يبدي حجته وأن يأتي بالأدلة التي تؤكد المقولة التي يذهب إليها.
فالنبي صلى الله عليه وسلم جاءهم بأدلة ظاهرة كانت مفحمة لهم لا يستطيعون معها أن يتهموه بالكذب، ولا أن يزوروا الحقائق ولا التاريخ، بل إنه كان يتحداهم ويقول لهم: "فاسألوا عن ذلك القوم"، لثقته بما يقول.
فما كان منهم بعد ذلك حين لم يجدوا حجة يواجهون بها حجته إلا أن قالوا: إنه ساحر، وبدأوا يصفونه بصفات لا تليق به عليه الصلاة والسلام.
 
 الدرس الرابع:
لقد ظهر إيمان سيدنا أبي بكر الصديق واضحاً وجلياً أمام هذا الحادث الجلل العظيم، عندما أخبره المشركون فقال لهم بلسان الواثق المؤمن: (لئن كان قال ذلك لقد صدق).
هذا الشيء يدل دلالة واضحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ايده بأمثال الصديق برجال كثر صدقوا به وآمنوا به ولم يكذبوه، فظهر بقوة إيمانهم كذب الكاذبين ونفاق المنافقين.
وهنا نستفيد درساً عظيماً هو أن المحن والشدائد تكشف الصديق الصادق الصدوق كما قالوا في الحكمة: (إن الصديق من صَدَقَك، وليس من صَدَّقك)، فهناك من الناس من يصدق على كذب أو غير الواقع، ليكسب بذلك منزلة أو شهرة أو مكانة أو مالاً. لكن الصديق الحقيقي هو من يصدقك في كل أمورك، فإذا رأى منك خطأ نقل لك هذا الخطأ وقال لك: تنبه يا أخي فلان فقد وقع منك خلل أو زلل أو علة.
إذاً الصديق الحقيقي هو الذي يقف مع أخيه عند الأزمات، هو الذي يكون له عوناً، هو الذي لا يتربص به الدوائر لينتظر زلة منه أو نقيصة أو خطأ معيناً ليعاتبه أو لينظر إليه نظرة ازدراء أو انتقاص، فالأخ الحقيقي والصديق الحقيقي إذا رأى أخاه في أزمة أو في شدة أو في ضيق فإنه يسارع إلى تصديق أخيه ومساندته وإلى تأييده فيما هو فيه من أزمة ويسعى بكل ما يملك من قوة في أن يساهم في رفع هذه الشدة عنه ورفع ما أصابه من هم أو حزن أو كرب، إن لم يكن مادياً فمعنوياً في أضعف الأحوال، وما أحسن الوقوف المعنوي في هذا الزمان حيث أصبح الإنسان يحتاج إلى كلمة ثناء أو كلمة شكر: جزاك الله خيراً، بارك الله بك، أيدك الله، وفقك الله، نصرك الله، إذا فعل أمراً طيباً أو قدم معروفاً صالحاً.
يعني مشكلة كثير من الناس اليوم أنهم ينظرون بعين النقد والانتقاد إلى كل الأعمال، هناك مقولة قديمة تقول: (إذا لم تُرد أن تعمل، فدعنا نعمل)..يعني هناك من الناس من لا يعمل، ولا يريد لأحد أن يعمل، فإذا رأى أحداً يعمل سلط مجهر النقد والانتقاد والانتقاص إليه وبدأ يعد زلاته وأخطاءه وما يقع فيه من نقص أو غير ذلك.
فالمؤمن الحقيقي الصادق لأخيه هو الذي يدعم أخاه ويسانده، والنبي صلى الله عليه وسلم وصف المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، يقول صلى الله عليه وسلم: "والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ((الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)) [الزخرف:67]، فهذه الخلة وهذه الصحبة وهذه الصداقة ينبغي أن تقوم على خير وأن تستمر بخير وأن تدعو إلى خير، وأما إذا كانت صحبة مصالح وصحبة أهواء فلا شك أن أول منفعة تصطدم فيها المصالح بين الصديقين ستنفصل عرى هذه الصحبة وتؤول إلى خصام ونزاع ولجاج، لكن صحبة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه أثبتت أنها الصحبة الصادقة والحقيقية وأنها النموذج الذي ينبغي أن يكون عليه الناس في صحبتهم وفي أخوتهم وفي علاقاتهم فيما بينهم.
وأذكر هنا قول الشاعر إذ يقول:
إن أخاك الحق من كان معك     ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك     شتت فيه شمله ليجمعك
هذا هو الأخ الصالح والصاحب الصدوق..
أسأل الله سبحانه أن يجعلنا إخوة متحابين فيه وأن يجعل أخوتنا صادقة فيما يرضي الله سبحانه..
تلك كانت أهم الدروس والعبر المستفادة من حادثة الإسراء والمعراج والتي يستفيد منها المؤمن في حياته العملية ليتعلم الصبر والتحمل وأن وراء كل ضيق فرجاً وبعد كل محنة منحة..
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..

 التعليقات: 1

 مرات القراءة: 7653

 تاريخ النشر: 29/06/2011

2013-06-05

بلال فحيمة

الله يبارك فيكم

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 62

: - عدد زوار اليوم

5416642

: - عدد الزوار الكلي
[ 30 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan