::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات المشرف

 

 

الإيثار وفضائله العظيمة (2)

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان (المشرف العام)  

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

^ كيف يكُتَسَب الإيثار؟

        لو كانت الأخلاق صفات لازمة تُخلق في الإنسان ويُطبع عليها، فلا يمكنه تغييرها ولا تبديلها ولا تعديلها كسائر صفاته الجسدية من طول وقصر ولون... لَمَا أمر الشرع بالتخلق بالأخلاق الحسنة، والتخلي عن القبيحة، فلو لم يكن ذلك ممكناً مقدوراً للإنسان لما ورد الحث عليه في الشرع؛ لأنه لا تكليف إلا بمقدور ولا تكليف بمستحيل، فخلق الإيثار يُكتسَب اكتساباً.

        ولو كانت الأخلاق فطرية لا تقبل التغيير - كما يرى البعض - فقد قالوا إن حسن الخلق غريزة وتمسكوا بحديث ابن مسعود "إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم". وهو عند البخاري في الأدب المفرد تحت رقم 275 وهو جزء من حديث. قال بعض العلماء: "إن حسن الخلق غريزة في الإنسان".

        والحقيقة أن الأخلاق فيها ما هو جبلي وما هو مكتسب، ولذا قال الحافظ بن حجر في الفتح (10/474): "وقع في حديث الأشج العصري عند أحمد والنسائي والبخاري في الأدب المفرد وصححه ابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة". قال: يا رسول الله: قديماً كانا فيَّ أو حديثاً؟ قال: "قديماً". قال : "الحمد لله الذي جبلني على خُلُقين يحبهما". فترديده السؤال وتقريره عليه يشعر بأن في الخلق ما هو جبلي وما هو مكتسب" أهـ.

        وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما العلمُ بالتعلُّم، والحلم بالتحلُّم، ومن يَتَحرَّ الخير يُعْطَه، ومن يتوقَّ الشرَّ يُوْقَه". كشف الخفاء. فالإنسان يستطيع أن يصل إلى أرقى الأخلاق وأحسنها بمحاولته أن يتتبّع هذه المقامات والدرجات والرتب العالية حرصاً على أن يَبْلُغَهَا وينالَ رضا الله سبحانه وتعالى.

        وهذا يدلنا على أن تزكية الأفعال تكون بمباشرة الأعمال المحقِّقة لزكاة النفس وتطهيرها، وليس بمجرد العلم النظري، ولكن الناس يتفاوتون في مقدار أهليتهم وقدرتهم واستعدادهم لاكتساب الأخلاق أو تعديلها، فمن جُبل على خلق معين يسهل عليه ترسيخ هذا لخلق في نفسه؛ لأن فطرته تعينه عليه.

^ نماذج من الإيثار:

        نستعرض بعض النماذج من الإيثار الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفيما بعد في حياة السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم:

        1- جاءت امرأة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعطته بُرْدَة هدية نسجتها بيديها، فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان محتاجاً إليها. ورآه أحد أصحابه، فطلبها منه، وقال: "يا رسول الله! ما أحسن هذه! اكْسُنِيها". فخلعها النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاها إياه. فقال الصحابة للرجل: "ما أحسنتَ، لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، ثم سألتَه وعلمتَ أنه لا يرد أحداً". فقال الرجل: "إني والله ما سألتُه إياها لألبسَها، إنما سألتُه لتكون كفني". البخاري. واحتفظ الرجل بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكان كفنه.

(رواية أخرى)

        سيد الخلق وخاتم النبيين وإمام المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم تأتيه امرأة بُبردة فتقول: "يا رسول الله! أكسوك هذه؟". فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، فلبسها. فرآها عليه رجل من الصحابة، فقال: "يا رسول الله! ما أحسن هذه؟ فاكسنيها". فقال: "نعم". فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم لامَهُ أصحابه فقالوا: "ما أحسنت حين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، ثم سألته إياها وقد عرفت أنه لا يُسأل شيئاً فيمنعه". فقال: أن أيَّ شيء مسَّ جسد النبي صلى الله عليه وسلم ثم مس جسدَ إنسان من البشر فإنَّ ذلك الجسد يُحَرَّمُ على النار إكراماً لمقام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

        2- جاء رجل جائع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، وطلب منه طعاماً، فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى إحدى نسائه يبحث عن طعام في بيته، فلم يجد إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يُضيِّف هذا الليلةَ رحمه الله؟". فقال رجل من الأنصار: "أنا يا رسول الله!". ويُقال إنه ثابت بن قيس رضي الله تعالى عنه.

        وأخذَ الرجلُ الضيفَ إلى بيته، ثم قال لامرأته: "هل عندكِ شيء؟". فقالت: "لا، إلا قوت صبياني". فلم يكن عندها إلا طعام قليل يكفي أولادها الصغار، فأمرها أن تشغل أولادها عن الطعام وتنومهم، وعندما يدخل الضيف تطفئ السراج (المصباح)، وتُقدِّم كل ما عندها من طعام للضيف، ووضع الأنصاري الطعام للضيف، وجلس معه في الظلام حتى يُشْعِره أنه يأكل معه، وأكل الضيف حتى شبع، وبات الرجل وزوجته وأولادهما جائعين.

        وفي الصباح، ذهب الرجلُ وضيفه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال للرجل: "قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة". صحيح مسلم. قال بعض المفسّرين: إن هذه الحادثة كانت السبب في نزول قول الله سبحانه وتعالى:[]وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ...[] سورة الحشر (9). والخصاصة: شدّة الحاجة.

        3- قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه (ابن سيد سادات الأنصار) مرض يوماً، فلم يجد أحداً يزوره، فسأل خادمَه: لمَ لا يزورني أحد؟ فقال له: "لأنك كريم، وأقرضتَ أصحابك، فاسْتَحَوا أن يأتوا وهم مقترضون منك، وليسوا في يسر لسداد الدين!!" فقال قيس بن سعد بن عبادة: "بئس هذا المال الذي يمنع زيارة الإخوان! ليقُم المنادي فينادي في الناس أنه من كان عليه لي مال فهو في حِلٍّ من أمري". يقول راوي هذه القصة: "فما أمسى إلا وانكسرت عتبة داره بسبب كثرة الزيارة". وهذا دليل على أنه كان قد أقرض الناس بشكل كبير.

        4- حذيفة العدوي في معركة اليرموك يبحث عن ابن عم له، ومعه شربة ماء. وبعد أن وجده جريحاً، فقال له: أسقيك؟ فأشار إليه بالموافقة. وقبل أن يسقيه سَمِعا رجلاً يقول: آه! آه! فأشار ابنُ عم حذيفة إليه؛ ليذهب بشربة الماء إلى الرجل الذي يتألم، فذهب إليه حذيفة، فوجده هشام بن العاص.

        ولما أراد أن يسقيه سمعا رجلاً آخر يقول: آه! آه! فأشار هشام إلى حذيفة لينطلق إليه بالماء، فذهب إليه حذيفة فوجده قد مات، فرجع بالماء إلى هشام فوجده قد مات، فرجع إلى ابن عمه فوجده قد مات. فقد فضَّل كلُّ واحد منهم أخاه على نفسه، وآثره بشربة ماء، ومات الثلاثة على خُلُقِ الإيثار.

        فالمؤمن أخو المؤمن، يُؤثِرُهُ حتى في شَرْبَةِ الماء التي قد تكون سبباً في نجاته من الهلاك.

        5- اجتمع عند أبي الحسن الأنطاكي أكثر من ثلاثين رجلاً، ومعهم أرغفة قليلة لا تكفيهم، فقطَّعوا الأرغفة قطعاً صغيرة وأطفؤوا المصباح، وجلسوا للأكل، فلما رُفِعت السفرة، فإذا بالأرغفة كما هي لم ينقص منها شيء؛ لأن كل واحد منهم آثر أخاه بالطعام وفضَّله على نفسه، فلم يأكل أحدٌ منهم أبدا.

        أيها الإخوة! لو أردنا أن نستعرض قصص الإيثار من حياة السلف الصالح، سنجد أنها قصص كثيرة وكثيرة؛ لكثرة ما تخلَّق أولئك السلف رضي الله تعالى عنهم بهذا الخلق العظيم.

^ من فوائد الإيثار:

        لو لم يكن من فوائده إلا أنه دليلُ كمالِ الإيمان وحُسْنِ الإسلام ورِفعةِ الأخلاق لَكَفَى، فكيف وهو طريق إلى محبة الله سبحانه وتعالى، وحصول الألفة بين الناس، وباب من أبواب جلب البركة والسَّعة في الرزق، وطريق للوقاية من الشُّحِّ؟! كما قال الله سبحانه وتعالى:[]...وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[] سورة الحشر (9).

^ بعض الوسائل التي تعين على اكتساب الإيثار وترسيخه:

        أ- رغبة العبد في مكارم الأخلاق ومَعاليها:

        فإنَّ من أفضلِ أخلاقِ الرجلِ وأشرفِها وأعلاها خُلُق الإيثار، وبحسب رغبته فيها يكون إيثارُه. فكلما رغب العبد أن يزداد من مكارم الأخلاق ومَعاليها عليه أن يُبادرَ إلى التَّخَلُّق بهذا الخلق العظيم.

        ب- مَقْتُ الشُّحِّ:

        فإن العبد إذا مَقَتَ الشُّحَّ وأبغضَه التزم الإيثارَ وأحبَّه، فإنه يرى أنه لا خلاصَ له من هذا المقت البغيض (الشح) إلا بخلق الإيثار.

        جـ- تعظيم الحقوق:

        التي جعلها الله سبحانه وتعالى للمسلمين بعضِهم على بعض، فإن عُظِّمَت الحقوق عندنا قمنا بواجبها، ورعيناها حقَّ رعايتها، واستعظمْنا إضاعتها، وأصبح الغني منا يرعى الفقير، والقوي يحرص على الضعيف، وعلمنا أننا إن لم نَبْلُغْ درجةَ الإيثار لم نُؤَدِّها كما ينبغي، فنجعل إيثارنا احتياطاً لأدائها.

        ء- المواظبة على تَكَلُّفِ الإيثارِ مرةً بعد مرة:

        حتى تَأْلَفَهُ النفس وتعتادَه ويصيرَ لها طبعاً وسَجِيَّة، وهذا يستلزم التَجَمُّل بالصبر، كالمريض الذي يصبر على تعاطي الدواء المر. فإن تحمّلنا المشقة التي يحتاجها الإيثار يصبح فيما بعد خلقاً نكتسبه نتيجة هذا التجمُّل والتَصَبُّر الذي نحتاج إليه في معاملتنا مع الناس.

        هـ- إدمان مطالعة فضائل الإيثار، وترديدها على القلب:

        وجمع الهمة على تحصيل الإيثار، والسعي الحثيث في التحلي به.

        و- المواظبة على العبادات والطاعات المفروضة والمندوبة:

        كالصلاة التي قال الله سبحانه وتعالى في شأنها:[]...إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ...[] سورة العنكبوت (45). وقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن فلاناً يصلي الليلَ كلَّه، فإذا أصبح سرق! فقال صلى الله عليه وسلم: "سينهاه ما يقول". أو قال: "ستمنعه صلاته". (رواه الإمام أحمد في مسنده 2/447 وصححه ابن حبان 639 الموارد وقال الهيثمي في المجمع: رواه احمد والبزار ورجاله رجال الصحيح 2/258). وكالزكاة التي قال سبحانه وتعالى فيها:[]خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا...[] سورة التوبة (103).

        فهذه الواجبات المفروضة والمندوبات التي جاءنا بها النبي صلى الله عليه وسلم تكون عوناً للمسلم على التخلُّق بهذا الخُلق العظيم.

        ز- لُزومُ الصِّدقِ وتَحَرِّيه، وتَجَنُّبُ الكذب:

        لأن الصدق يهدي إلى البر، قال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالصدق؛ فإنَّ الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة". (رواه البخاري في الأدب رقم6094 ومسلم رقم 2606 وغيرهما). والإيثار من جملة البر.

        ح- الاقتداء بالمثل الأعلى للبشرية:

        يكفينا أن نأخذ مثلاً وقدوةً سيدَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومطالعة سيرته العطرة وشمائله الكريمة، فقد كان عليه الصلاة والسلام خيرَ من يُؤْثِرُ الناس، وخيرَ من يقدِّم لهم العونَ والمساعدة، وقد ضرب لنا صلى الله عليه وسلم أمثلة كثيرة في حياته، وهو الذي أعرضَ عن دنياه، ولم يسترسل بها، وكان زاهداً فيها، مع أن الله سبحانه وتعالى أنزلَ عليه سيدَنا جبريل عليه الصلاة والسلام فقال له: "يا محمد! إن شئتَ أن يُسِيَّرَ اللهُ معكَ الجبال حيثُ شئت فعل". فقال صلى الله عليه وسلم: "بل أجوع يوماً فأصبر، وأشبع يوماً فأشكر".

        هذا هو خلق الإيثار، وهذه هي النماذج العظيمة من حياة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

        ثم استحضار إيثار الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ثم استحضار إيثار من تَبِعهم من أهل العلم والإيمان.

       

        ط- تقوية رابطة الأخوة في الله:

        التي تُوَلِّد في نفس المسلم أصدقَ العواطف النبيلة في اتخاذ مواقف إيجابية من التعاون والإيثار والرحمة والعفو عند المقدرة.

        ي- النفرة من أخلاق اللئام:

        والتحوُّل إلى الصحبة الصالحة؛ لأن الطباع سراقة، وفي حديث قاتل المئة نفس أن العالِم قال له: "… ومن يحول بينك وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله، فاعبدِ الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء…" الحديث (جزء من حديث رواه البخاري في الأنبياء 3470 ومسلم في التوبة 2766 وغيرهما) أمره   باعتزال بيئته الفاسدة التي تَصُدُّ عن الخلق الحسن، والتحول إلى الصحبة الصالحة التي تعينه على الخير.

^ دعاء:

        اللهم! خَلِّقْنا بخُلُقِ الإيثار، وحَبِّبْه إلينا، واجعلنا اللهم ممن تُثْني عليهم كما أثْنَيْتَ على الأنصار، واجعلْنا اللهم ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

 

 

اقرأ أيضاً

الإيثار وفضائله العظيمة (1)  اضغط هنا

 

 

 

 

 التعليقات: 1

 مرات القراءة: 6434

 تاريخ النشر: 05/03/2011

2012-01-28

mimi

شكرا على هذا الموضوع الرائع

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 49

: - عدد زوار اليوم

5413647

: - عدد الزوار الكلي
[ 36 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan