::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات المشرف

 

 

الأمل ومحاربة اليأس (2)

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان (المشرف العام)  

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

^ الأمل والعمل:

        من أعظم أنواع الأمل التي ينبغي أن يعيشها المؤمن الأمل في الله ورجاء مغفرته، وهذا الأمل ينبغي أن يقترن دائماً بالعمل، لا بالتمنّي والكسل. قال تعالى:[]...فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً[] سورة الكهف (110). فالأمل الذي يقترن بالعمل يحقّقه الله سبحانه وتعالى. وقال عز وجل:[]إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [] سورة البقرة (218).

        فلا يقلْ الإنسان: أنا عندي أمل في الله سبحانه وتعالى، وأُحسن الظن به، ثم بعد ذلك نراه لا يؤدي ما عليه تجاه الله من فروض وأوامر، ولا ينتهي عما نهى الله عنه، والذي يفعل ذلك إنما هو مخادع يضحك على نفسه. كيف ينتظر الإنسان من الله تعالى أن يغفر له وهو مصر على المعصية، غارقٌ فيها؟! الواجب على الإنسان الذي يريد أن يحوّل حاله إلى حال أحسن من التي هو عليها أن يخرج من الحال التي هو فيها، ويتّجه إلى حالة من الاستقامة والصلاح وترك المعصية؛ حتى ينال بذلك مغفرة الله سبحانه وتعالى.

        جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حسنُ الظَّنِّ من حسنِ العبادة". أبو داود وأحمد. إن المؤمن الذي يُحسِن الظن بالله سبحانه وتعالى هو مَنْ أحسَنَ عبادته لله، واستقام على شرعه سبحانه، ومن أحسَنَ عبادته لله يَحْسُنُ ظنه فيه، ومن حَسُنَ ظنه بالله سبحانه وتعالى وجد عنده ما يصبو إليه، وما يرنو أن يعيشه في حياته الدنيا، وفي الحياة الآخرة إن شاء الله تعالى.

        إذاً.. أفضل أنواع الأمل هو الأمل بمغفرة الله تعالى، وهذا الخطاب نوجّهه لمن يشعر دائماً باليأس والقنوط بأنه غرق في المعاصي وليس له توبة، فهذا الكلام لا يجوز ولا يصحّ أبداً. لكن الأمل بمغفرة الله سبحانه وتعالى يُشْتَرَطُ له حُسْنُ العمل حتى يبلغ الإنسان الدرجة التي يرجوها من الله سبحانه.

^ فضل الأمل:

        الأمل يدفع الإنسان دائماً إلى العمل، ولولا الأمل لامْتَنَعَ الإنسانُ عن مواصلة الحياة ومجابهة مصائبها وشدائدها، ولولاه لسيطر اليأس على قلبه، وأصبح يحرص على الموت أكثر من حرصه على الحياة. لذلك قيل: "اليأسُ سلّمُ القبر، والأملُ نورُ الحياة". وقيل: "لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس". طالما أنك تعيش حياتك تأكل وتشرب، ولك بُنية قوية وصحيحة فلماذا يأتي اليأس إليك؟ عليك أن تسدّ كل أبوابه، فالإنسان الذي تكثر عليه الهموم ويشعر باليأس في حياته، وبالفشل في كل ما يُقْدِمُ عليه، فهذا الإنسان كأنما يحفر قبره بيديه ويقذف بنفسه في تلك الحفرة المظلمة.

وقال الشاعر:

لا خير في اليأس، كُلُّ الخيرِ في الأمل   أَصْلُ الشجاعةِ والإقدام ِفي الرَّجُـلِ

والمسلم لا ييأس من رحمة الله تعالى أبداً، ولا ييأس أن يحوّل الله الحال إلى أحسن حال. يقول الشاعر:

ما بين طَرْفَةِ عـينٍ وانتباهَتِها       يُحَوِّلُ اللهُ من حالٍ إلى حالِ

        فلماذا اليأس طالما أنَّ رحمةَ الله موجودة؟! ولماذا القنوط طالما أن الأمل في عفو الله تعالى يدعو الإنسان ويدفعه نحو التوبة، ونحو اتباع صراط الله المستقيم، ونحو الأمل بحياة مستقرة وآمنة ومطمئنة.

^ الحثّ على الأمل في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة:

        حث الله عز وجل على الأمل، ونهى عن اليأس والقنوط، وخاصة من رحمته ومغفرته سبحانه، فقال تعالى:[]قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ[] سورة الزمر (53). هذا الخطاب موجَّه لمن أسرف على نفسه في المعاصي وارتكاب الذنوب والموبقات، ولمن غرق في الشهوات. طالما أن الله تعالى فتح باب التوبة ولم يغلقه أبداً، وجعل التوبةَ تُقْبَلُ من العبد ما لم يصل إلى مرحلة الغرغرة، وهي حين تصل الروح إلى الحُلقوم.

        وإذا فعل المسلم ذنباً فهو يسارع بالتوبة الصادقة إلى ربه سبحانه وتعالى، وكله أمل في عفو الله عنه وقَبُول توبته. والأمل طاقة يُوْدِعُها الله في قلوب البشر؛ لتحثَّهم على تعمير الكون، وعلى أن يعيشوا حياتهم بأمل وطمأنينة واستبشار، وهذا ما نفهمه من خلال حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة[1]". البزار. يعلّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمل في الحياة، وألا نقنط ونيأس، حتى ولو كان بيدنا نخلة صغيرة خضراء أن نغرسها في الأرض ولو كانت القيامة قائمة، فكن على ثقة بالله، وأمل به سبحانه وتعالى؛ لأنه قادر أن يغيّر حالك، وأن يغير حالي، وأن يغير حال الناس، فلا يصح اليأس من أي حالة كانت، سواء كان اليأس من الشفاء من الأمراض، أو من النجاح في المستويات العلمية التي يتقدم إليها طلابنا، أو من الحياة التجارية، أو من قضاء الديون، فربما كان إنسان غارقاً في الديون فيشعر باليأس، بل ليكن عنده أمل أن الله سبحانه وتعالى سيوفّي له ديونه كلها، وسيبدأ حياته من جديد، ويعود إلى تجارته بقوة وعزّة ومنعة، طالما أن أمله بالله كبير فالله تعالى سيحقق له ذلك الأمل، وطالما أن حسن ظنه بالله عظيم وهو يعمل، فإن الله تعالى لن يخيّبه إن شاء الله.

^ لولا الأمل...

        قال أحد الحكماء: "لولا الأمل ما بنى بانٍ بنياناً، ولا غرس غارس شجراً". لولا الأمل لما تحققت كل الإنجازات التي وصلت إليها البشرية اليوم، نضرب على ذلك مثالاً: المخترع: سواء اخترع آلة بسيطة أو معقدة، لم يتمكن من تحقيق إنجازه من أول مرة في أغلب الأحيان، وإنما حاول تحقيقه مرة بعد مرة دون يأس أو ملل، لذلك استطاع أن يصل في النتيجة إلى النجاح، فصنع الطيارة، وصنع السيارة، وصنع الصاروخ، وصنع الأدوات الإلكترونية المعقدة، كل ذلك نتيجة التجارب المتكررة، مع الصبر والأمل، ومحاربة اليأس والملل، وطرد الكسل، والصبر على العمل الذي قيل فيه: الأمل يُنَمِّي الطموح والإرادة، واليأس يقتلهما.

        فليحرص المسلم على الأمل في كل جوانب حياته، ولْيتمسك به تمسكه بالحياة، فكما أننا نتمسك بالحياة حتى آخر نَفَسٍ فيها، كذلك ينبغي أن نتمسك بالأمل؛ حتى ندركَ النجاح، ولا يجوز أن نستسلم لليأس والقنوط أبداً.

وقد قال الشاعر:

أُعَلِّلُ النَّفْسَ بـالآمـال أَرْقُبُـها     ما أَضْيَقَ الْعَيْشَ لولا فُسْحَة الأمل

فالإنسان المؤمن يصبر على ضيق العيش في هذه الدنيا على أمل أن يفرج الله همومه، ويوسّع عليه، ولولا ذلك لضاق الإنسان بمعيشته، ولْنعملْ جميعاً بقول الله سبحانه وتعالى:[]...وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ[] سورة يوسف (87).

        أيها الإخوة! علينا أن نحسن الظن بربّنا سبحانه وتعالى؛ لأن الله قادر أن يغير أحوالنا، وأن يغير من أنفسنا، وأن يغير من تقصيرنا نحو الأفضل، فتقوى هممنا، ونقوى على العمل، ونطرد اليأس والكسل، ونسعى ونعمل بجدٍّ حتى نحقق ما أراده الله سبحانه وتعالى منا، وما كلّفنا به، وما خَلَقَنَا من أجله.

^ دعاء:

        نسأل الله سبحانه وتعالى على الدوام أن نكون ممن يحسن الظن به، وأن نكون ممن يعيش الأمل في حياته. عسى الله تعالى أن يغفرَ لنا، ويقبلَنا، ويرحمَنا، ويتوبَ علينا، ويُحَسِّنَ أحوالنا، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله ب العالمين.

 



[1] أي نخلة صغيرة.

 

اقرأ أيضاً

الأمل ومحاربة اليأس (1)   اضغط هنا

 

 التعليقات: 0

 مرات القراءة: 4858

 تاريخ النشر: 24/01/2011

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 1410

: - عدد زوار اليوم

5421138

: - عدد الزوار الكلي
[ 69 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan