::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> كلمة المشرف

 

 

في ذكرى الهجرة المباركة.. دروس وعبر..

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان (المشرف العام)  

 

 
 
طلع البدر علينا             من ثنيات الوداع
إنها ذكرى الهجرة الشريفة.. ذكرى الانتقال.. ذكرى بناء الدولة الإسلامية وتأسيسها.. ذكرى المسلمين جميعاً..
لقد انتقل الإسلام من الحيز الضيق في مكة إلى الرحاب الواسعة.. إلى أماكن الانتشار.. إلى أماكن الذيوع.. المكان الذي هيأه الله لكي يشع منه نور الإسلام ولتكون المدينة أول عاصمة إسلامية في الدنيا.. ينتقل الإسلام منها إلى سائر بقاع الأرض..
واليوم.. في هذه الذكرى المباركة.. ذكرى الهجرة النبوية الشريفة.. ما الذي نذكره.. وما الذي نتعلمه منها..
من وحي الهجرة المباركة.. هذه بعض المواقف.. نفهم منها ونتعلم بعض الدروس التي تلازمنا في حياتنا الحاضرة..
 
q على طريق الهجرة..
في طريق الهجرة من مكة إلى المدينة.. حدثت معجزات كثيرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت من جملة تأييد الله سبحانه وتعالى له.. وذلك حتى تزداد همته، وتظل عزيمته في مضاء ونجاح.. ومن هذه المعجزات:
Œ شاة أم معبد:
بعد أن غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم غار ثور مع أبي بكر، ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم في الطريق عبد الله بن أريقط، كان قد أصابهم من الجوع والعطش الكثير.. وفي الطريق وجدوا خيمة فيها امرأة كهلة عجوز، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم عندها مع أصحابه..
طلبوا منها ماءً أو لحماً أو تمراً ليشتروه منها بثمن، فلم يجدوا عندها شيئاً، وكانوا في حالة من الجوع ما يدفعهم لطلب الزاد، وعندما لم يجدوا شيئاً نظر النبي إلى جانب الخيمة فوجد شاة يبدو عليها الهزال ضعيفة. فقال للعجوز: "ما هذه الشاة يا أم معبد؟". فقالت: لقد خلفها الجهد عن الغنم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فهل بها من لبن؟"، قالت: هي أجهد من ذلك، فقال لها: "أتأذنين لي أن أحلبها؟"، فقالت: بلى بأبي أنت وأمي احلبها إن شئت..
فدعا بها النبي صلى الله عليه وسلم وأم معبد توقن أن ليس بها قطرة لبن واحدة لأنها لا تأكل ولا تشرب إلا القليل.. فدعا بها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح بيديه الشريفتين ضرعها وسمى باسم الله ودعا لها بالبركة، فتفاجت عليه [هيأت نفسها للحلب]، ودرَّت باللبن واجترت [أي أرسلت اللبن وأخرجته من ضرعها]، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء يكفي الرهط [قوم لا يقلون عن 9 أشخاص]، فحلب فيها النبي صلى الله عليه وسلم لبناً ثجاً [سائلاً] حتى ملأ الإناء، ثم سقى أم معبد حتى رويت، ثم سقى أصحابه حتى رووا، وشرب النبي صلى الله عليه وسلم آخرهم وقال: "ساقي القوم آخرهم شرباً".
ثم حلب في الإناء ثانياً حتى امتلأ وأعطاه لأم معبد، ثم تركها ومشى مع قومه..
 
 قصة سراقة بن مالك:
كان سراقة يطادر النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك أن قريش أعلنت عن جائزة قدرها 100 ناقة من كرائم نوق العرب لمن يأتي بمحمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه أحياء أو أمواتاً..
سمع سُراقة هذا الأمر، وكان أن جاء أحد المسافرين من طريق الساحل فقال له: ((والله لقد رأيت آنفاً أسودةً [ج. سواد، أي كأنه رأى إنساناً] بالساحل أراها محمداً وأصحابه)).
فقال سراقة: ((فعرفت أنهم هم، فقلت لمن حولي: إنهم ليسوا هم.. إنهم فلان وفلان وفلان.. فلبثت في المجلس ساعة ثم انطلقت إلى بيتي، وأخذت رمحي وفرسي وخرجت من وراء البيت حتى لحقت محمداً وصاحبه))..
قبل أن يمشي سراقة استقسم بالأزلام، فضربها أول مرة فجاءت بما يكره، فاستقسم بها ثانية فجاءت بما يكره، قال: ((فخالفت القسم والأزلام، وتبعت محمداً وصاحبه، وما أنا إلا على مسافة قريبة منهما حتى سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق، وأبو بكر كثير الالتفات على الوراء، في هذه الأثناء ساخت يد فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت، فلم تكن تخرج يديها حتى استوت قائمة وإذا بي أرى دخاناً في السماء ساطعاً من أقدامها..
فتيقنت أن الاستقسام بالأزلام في محله، لكنني خالفته من جديد فتتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه إلى أن غاصت قدماها من جديد، فناديت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه: الأمانَ يا محمد، الأمانَ يا محمد..))
فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: "كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟".. قال: أتأمرني بشيء؟.. قال: "خذل عنا".. فعاد سراقة إلى مكة ولم يخبرهم بشيء..
وقد لبس سراقة سواري كسرى في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين أُتي عمرُ بسواري كسرى فنادى سراقة وألبسه السوارين، وقال: (الله أكبر الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقول أنا رب الناس، وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابياً من بني مدلج)..
فسبحان مقلب القلوب، كيف تحول سراقة من مطاردة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تخذيل أهل مكة عنه، حيث صار يقول عن جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم: كُفيتم هذه الجهة.. ويبعدهم عنها..
حتى وصل رسول الله إلى المدينة وأيقن سراقة بذلك، فبدأ يقص ما حدث معه على الناس في مكة حتى ذاع صيته واشتهرت قصته، فخاف رؤساء مكة أن يسلم الناس إن علموا بهذه القصة.. فقال أبو جهل بيتين من الشعر يحذر فيهما قوم سراقة (بنو مدلج) منه:
بني مدلجٍ إني أخاف سفيهكم          سراقة مستغوٍ لنصر محمد
عليكم به ألا يفرق جمعكم         فيصبح شتى بعد عز وسؤدد
فرد عليه سراقة بهذه الأبيات:
أبا حكم والله لو كنتَ شاهداً           لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت ولم تَشْكُك بأن محمداً            رسول وبرهان فمن ذا يقاومه
عليك فكُفَّ القوم عنه فإنني            أرى أمره يومـاً ستبدو معالمه
بأمر تود الناس فيه بأسرهم              بأن جميع النـاس طُراً مسالمه
ü إن تأييد الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه دروس عظيمة ومهمة، وهي أن كل مسلم يتبع شرع الله فإن الله سيناصره ويؤيده.. حتى لو وجد مشقة في البداية إلا أن الفرج مع الصبر وإن مع العسر يسراً..
 
q وأخيراً.. في المدينة..
لما سمع أهل المدينة بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم كانوا يخرجون كل غداة إلى الحرة [صخرة مرتفعة في مدخل المدينة] فينتظرونه حتى إذا مسهم حر الظهيرة رجعوا بعد أن أطالوا الانتظار..
وذات يوم جاء رجل من اليهود فوقف في حصن من حصون المدينة، فإذا به يرى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ثياب بيض آتين من بعيد، فلم يملك إلا أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون.. فسمع أهل المدينة ذلك فخرجوا وهبوا لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم وهم ينظمون الأهازيج ويرددون عبارات الفرح:
طلع البدر علينا       من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا     ما دعـا لله داع
أيها المبعوث فينا     جئت بالأمر المُطاع
جئت شرفت المدينة    مرحباً يا خير داع
فاستقبلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا النشيد تعبيراً عن فرحتهم، فما أعظمه من نشيد وما أروعه من كلام، وما أطيبه من استقبال...
لكن الملفت هنا هو ما فعله أهل المدينة، حين قدموا صبيانهم وبناتهم الصغار لاستقبال رسول صلى الله عليه وسلم، فأعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم درساً في حسن معاملة الأطفال حين نزل على ركبتيه وخاطب أولئك البنات الصغيرات فقال لهن: "أتحببنني؟؟".. قلن: نعم يا رسول الله.. فقال: "والله إن قلبي يحبكن.."...
لقد هيأ أهل المدينة أطفالهم ليكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مثالهم الذي يقتدون به، وبهذا يعطوننا درساً لنتعلم كيف نصنع لأطفالنا نموذجاً حسناً وقدوة صالحة يقتدون بها..
وهل هناك أفضل وأعظم وأكمل من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
ونحن اليوم في أيامنا الحاضرة.. في ذكرى الهجرة النبوية المباركة.. ننشد النشيد نفسه فرحاً بذكرى رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم... ولنعلم الأطفال محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء به واتباع سنته..
كل عام وأنتم بخير...
 

 التعليقات: 4

 مرات القراءة: 5243

 تاريخ النشر: 06/12/2010

2011-11-29

ساره

كلام جمييييييييييييييييييييييييييييييل ورائع وممتع للقلوب

 
2011-11-20

مصطفى

موضوع جميل جداااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا

 
2010-12-15

محمد نادر بكري

جزاك الله عنا كل خير يا شيخنا ونرجو منك الدعاء المستمر لنا بان يثبتنا الله على دين الاسلام دين العزة والفخر

 
2010-12-09

محمود المغربي

أشكرك يا شيخنا الجليل على كلامك الرائع

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 70

: - عدد زوار اليوم

5416650

: - عدد الزوار الكلي
[ 28 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan