::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات المشرف

 

 

الغضب .. أسبابه وعلاجه (2)

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان (المشرف العام)  

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

^ أقوال للنبي صلى الله عليه وسلم في الغضب:

عن معاذ بن أنس الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "من كظم غيظاً وهو يستطيع أن يُنْفِذَهُ دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يخيره في أيّ الحور شاء". رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.

وفي المسند من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "ما تجرّع عبدٌ جُرعةً أفضلَ عند الله عز وجل من جرعة غيظٍ يكظمها ابتغاء وجه الله تعالى". مسند أحمد.

بعض الناس يتصورون عندما يغضبون ويشتد غضبهم ويبطشون أنه ببطشه يعبر عن قوته وصلابته يتصورون أن الغضب علامة من علامات الشجاعة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الشجاعة والقوة ليست بقوة البدن فحسب، بل هي بقوة النفس وكظم الغيظ. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". متفق عليه. قوله "ليس الشديد بالصُّرَعة" بضم الصاد و فتح الراء: الذي يصرع الناس كثيراً بقوته والهاء للمبالغة بالصفة. وإنّ الموفق إلى الخير هو الذي يفكر في العواقب عند ثوران الغضب، ويتذكر ما وعد الله به الكاظمين لغيظهم من أجر وثواب.

قوله "فردَّد مراراً" أي ردَّد السؤال يلتمس أنفع من ذلك أو أبلغ أو أعمّ، فلم يزده على ذلك، وزاد أحمد وابن حبان في رواية عن رجل لم يُسَمَّ قال: "تفكرت فيما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله". قال الخطابي: معنى قوله "لا تغضب" اجتنب أسباب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه. وقال ابن بطَّال في الحديث: إن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو؛ لأنه صلى الله عليه وسلم جعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوة، ولعل السائل كان غضوباً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر كل أحد بما هو أولى به، فلهذا اقتصر في وصيته له على ترك الغضب، فللغضب مفاسد كبيرة، ومن عرف هذه المفاسد عرف مقدار ما اشتملت عليه هذه الكلمة اللطيفة من قوله صلى الله عليه وسلم "لا تغضب" من الحكمة واستجلاب المصلحة في درء المفاسد [انظر فتح الباري:10/520].

^ أقوال ونماذج من حلم السلف الصالح رحمهم الله تعالى:

لقد أخذ السلف الصالح بخلق الحلم وترك الغضب؛ فكانوا يتعاملون به كثيراً، فإذا أغضبهم إنسان أو أساء إليهم قابلوا ذلك الغضب بالحِلم والصفح والعفو وكظم الغيظ.

إن من توفيق الله تعالى أن يُهدى الإنسان لقول الحق والعمل به في الرضا والغضب، ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلّم: "وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا". مسند البزار. يقول ابن رجب رحمه الله: "وهذا عزيزٌ جداً أن الإنسان لا يقول سوى الحق سواء غضب أو رضي، فإن أكثر الناس إذا غضب لا يتوقفُ فيما يقول". أ.هـ.

كتب سيدنا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى أحد ولاته: "لا تعاقب عند غضبك، وإن غضبت على رجل فاحبسْه، فإذا سكن غضبك فأخرجْه، وعاقبه على قدْر ذنبه". فعندما يكون الإنسان في حالة غضب ويشتد غضبه ربما يبطش بمن أمامه، فلْينتظرْ لحظة هدوئه وليوقع العقوبة عندما يكون هادئاً، فتكون العقوبة على قدر الذنب، إذا غضب الأب من ولده فلا ينبغي أن يعاقبه لحظةَ الغضب، بل عليه أن ينتظر إلى أن يهدأ، ثم يقرر العقوبة التي تتناسب مع التربية ومستقبل الولد، ولا يقرّرْ أن يطرد الولد من بيته لأنه يكون بذلك قد جنى على نفسه وأسرته.

قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "من اتقى الله لم يشفِ غيظه، ومن خاف الله لم يفعلْ ما يشاء". فالإنسان التقي لا يشفي غيظه عند الغضب ولا ينتقم، والذي يخاف الله لا يفعل إلا ما فيه طاعة الله سبحانه وتعالى.

جاء رجلٌ إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه فقال أوصني قال: "لا تغضب". فقال الرجل: أمرْتَني ألا أغضب وإنه ليغشاني ما لا أملك. فقال سيدنا سلمان: "فإن غضبت فاملك لسانك ويدك".

ومن مواقف السلف الصالح أن رجلاً سب سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، فلما فرغ من كلامه قال ابن عباس لخادمه: "هل للرجل حاجة فنقضيها؟". فنكّس الرجل رأسه واستحيا؛ لأنه قابل الإساءة بالإحسان، ولأنه كظم غيظه وصبر على ذلك الرجل وهو يستطيل عليه بالكلام. فمقابلة الإساءة بالإحسان تحول العدو إلي ولي حميم، وهي تحتاج إلي صبر ومجاهدة للنفس.

وروِي عن سيدنا معاوية رضي الله عنه: "لا يبلغ العبد مبلغ الرأي حتى يغلبَ حلمُه جهلَه وصبرُه شهوتَه ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم". فإذا أردنا أن نستشير رجلاً ينبغي أن يكون من أصحاب الرأي والقرار، فلا يصبح الإنسان من أصحاب الرأي إلا إذا بلغ حلمه جهله، وغلب صبره شهوته، ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم، فالعلم يبلغ بالإنسان درجة عظيمة، ولا يتلقى الإنسان العلم إلا بتقوى الله تعالى كما جاء في الآية الكريمة:[]...وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ...[] سورة البقرة (282).

وسئل عرابة الأوسي رحمه الله: "بم صِرْت سيد قومك؟!". قال: "كنت أحلم عن جاهلهم، وأعطي سائلهم، وأسعى في حوائجهم".

ويروى أن المهلب بن أبي صفرة - وكان قائداً ذكياً - مرَّ يوماً على قوم وفيهم شاب، فقال هذا الشاب لصاحبه: أهذا هو المهلب؟! فقال صاحبه: نعم. فاستخفّ الشاب به لمّا رآه وقال: هذا والله لا يساوي خمسمائة درهم. فسمعه المهلب وأكرم نفسه بعدم الالتفات إليه، ولما أمسى الليل أخذ المهلب معه خمسمائة درهم وأتى الشاب، وقال له: "خذ هذه خمسمائة درهم قيمة عمك المهلب، والله يا ابن أخي لو قيمتي خمسة آلاف لأتيتك بها". فخجل الشاب وقال: ما أخطأ من جعلك سيداً.

إن الحلم والصبر والأناة وسعة الصدر التي اتّصف بها سلفنا الصالح هي دروس عملية نستفيد منها في صبرنا وحلمنا وكظمنا للغيظ واحتمالنا للخلق.

وقد وصف الشاعرُ مثل هذا الموقف بقوله:

وإذا بَغـى باغٍ عليكَ بجهـلِهِ       فاقْـتُلْهُ بالمعروفِ لا بالمُنـكرِ

أي أحسن إليه مقابل إساءته، واصبر عليه مقابل اعتدائه عليك، فإنك بذلك تقتله أدبيّاً، وتسيطر عليه بما أكرمته من الأخلاق الفاضلة والكريمة التي جعلَتْه ينظر إلى نفسه وكأنه قد فعل منكراً عظيماً.

^ وسائل لعلاج الغضب:

لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن هذه الآفة، وبيان آثارها، بل بيّن الوسائل والعلاجات التي يستعين بها الإنسان على التخفيف من حدة الغضب، وتجنب غوائله، وأهم هذه الوسائل:

أ- السكوت وعدم الاسترسال في الكلام:

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "علِّموا ويسروا ولا تعسروا، وإذا غضبت فاسكت، وإذا غضبت فاسكت وإذا غضبت فاسكت". مسند أحمد.

ب- الـوضوء:

فعن عطية السعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خُلق من النار، وإنما تُطْفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ". رواه أبو داود وحسنه بعض العلماء. وهذا الشيء مجرّب؛ فعندما يغضب الإنسان ويتوضأ ترتاح نفسه وتهدأ ثورتها، ويذهب عنه الغضب، ثم يستغفر الله سبحانه وتعالى، ويعود تدريجياً إلى حالته الطبيعية.

جـ- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم:

لأن الشيطان يُسرّ بالغضب كثيراً لما يقع من نتائجه التي ترضي الشيطان من أن يفرّق بين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وبين الشريك وشريكه، وبين الجار وجاره...

فعن سيدنا سليمان بن صرد قال: "كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم، ورجلان يَسْتَبّان، فأحدهما احمرَّ وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد". صحيح البخاري. يقول راوي الحديث: فذهبت فقلت للرجل: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: تعوّذ بالله من الشيطان. فقال: وهل بي جنون؟!. استنكر أن يكون في حالة جنون، لكنه لم ينتفع بالتوجيه الدقيق للنبي صلى الله عليه وسلم.

ء- أن يغير الإنسان الوضع الذي كان عليه حال الغضب:

فإذا كان قائماً فليقعدْ، وإذا كان قاعداً فليضطجع، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع" رواه أبو داود.

 

 

اقرأ أيضاً

الغضب .. أسبابه وعلاجه (1)  اضغط هنا

الغضب .. أسبابه وعلاجه (3)  اضغط هنا

الغضب .. أسبابه وعلاجه (4)  اضغط هنا

 

 

 

 التعليقات: 0

 مرات القراءة: 4031

 تاريخ النشر: 03/10/2010

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 16

: - عدد زوار اليوم

5416596

: - عدد الزوار الكلي
[ 34 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan