::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات المشرف

 

 

الغضب .. أسبابه وعلاجه (1)

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان (المشرف العام)  

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وافتح علينا فتوح العارفين، ووفقنا توفيق الصالحين، واشرح صدورنا، ويسّر أمورنا، ونوّر قلوبنا بنور العلم والفهم والمعرفة واليقين، واجعل ما نقوله حجة لنا، ولا تجعله حجة علينا برحمتك يا أرحم الراحمين.

^ الوصيّة النبوية "لا تغضـــــب":

ركّب الله سبحانه وتعالى في الإنسان العديد من الغرائز والأحاسيس، فهو يتأثر بما يجري حوله، ويتفاعل بما يشاهد ويسمع من الآخرين، فيضحك ويبكي، ويفرح ويحزن، ويرضى ويغضب، إلى آخر تلك الانفعالات النفسية... ومن الأمور التي نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الاسترسال فيها الغضب، فقد يخرج الإنسان بسببه عن طوره، ويفقد توازنه، وربما جرّه الغضب إلى أمور لا تحمد عقباها. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: "لا تغضب، فردد مراراً، قال: لا تغضب". صحيح البخاري.

لنتأمل كيف كرر هذا السائل على النبي صلى الله عليه وسلّم السؤال، وهو يلتمس أنفع وأبلغ ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فلم يزد صلى الله عليه وسلم على قوله: "لا تغضب". وكان من جملة حديث النبي عليه الصلاة والسلام الوصايا؛ فكثيراً ما كان يوصي أصحابه، وأكثر من كان يوصي سيدنا أبا ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه.

وقد كان عليه الصلاة والسلام يعطي السائل حسب حاله، فمرة جاءه رجل فقال: أوصني. فقال صلى الله عليه وسلم: "تُسبحُونَ، وتُكَبِّرُونَ، وتحمَدُونَ دُبُر كُلِّ صَلاة ثَلاثاً وثَلاثِينَ مَرَّةً". صحيح مسلم. ومرة سأله سيدنا أبو ذر رضي الله تعالى عنه الوصية فقال: "أوصني يا رسول الله! فقال: يا أبا ذر! أحكِم السفينة فإن البحر عميق، وأكثر الزاد فإن السفر طويل، وخفّف الحِمل فإن العقبة كؤود، وأخلص العمل فإن الناقد بصير". هكذا كان يوصي رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، فيعطي كل واحد حسب ما يريد. وذاك الرجل لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم الوصية قال له: "لا تغضب". فكأنه اطّلع على حاله أنه شديد الغضب والتأثر والانفعال...

هذه الوصية فيها سعادة الدنيا والآخرة، فالغضب يؤدي إلى التقاطع في العلاقات الاجتماعية، ويحرم الإنسان من الرفق، فما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نُزع من شيء إلا شانه. والغضب يفتح أبواب الآثام والفتن، ويوقع الناس في المشكلات. فكم جرَّ من المآسي على الأفراد والمجتمعات؟! وكم صار سبباً في تفرق الإخوة والأصدقاء، والأولاد والأزواج، وشتات الأسرة؟! فيكون من نتائج ذلك الأذى والعدوان وإطلاق اللسان، والقرارات الجائرة، والأحكام الظالمة التي يعقبها حسرة وندامة.

^ أسبـاب الغضـب:

للغضب أسباب كثيرة متعددة منها:

أ- المِراء والجدال:

والتي لا تأتي بخير أبدا، لذلك تكفّل النبي صلى الله عليه وسلم ببيت في الجنة لمن ترك الجدال وهو محقّ؛ لأن الجدال ليس له ثمرة طيبة، بل إن نتيجته الخصومات والنزاعات. فالمراء والجدال من أكثر ما يهيج الغضب.

ب- المِزاحُ المتجاوز لحدود الأدب:

المزاح بشكل عام ليس ممنوعاً شرعاً، إنما الممنوع منه ما تجاوز الحد وخرج عن المعتاد، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح مع أصحابه، لكنه لا يقول إلا حقاً. مرّةً جاءته امرأة عجوز فقال لها عليه الصلاة والسلام: "لا تدخل الجنة عجوز". فبكت، فأرسل إليها من أصحابه من يخبرها أنها لا تدخلها عجوزاً إنما تدخلها وهي شابة، واستشهد بقول الله تعالى:[]عُرُباً أَتْرَاباً[] سورة الواقعة (37). التِّرْب هو النظير والمثيل، والمرأة في الجنة تكون في سن مثيلاتها.

مزح رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة مع امرأة جاءت تشكو زوجها إليه، فقال عليه الصلاة والسلام: "أزوجكِ الذي في عينيه بياض؟". فذهبت المرأة إلى زوجها وبدأت تنظر في عينيه، فقال لها: ما بكِ؟ قالت: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي إن في عينيك بياض". وكانت تظنّه أحولَ. فقال لها: "يا امرأة! وهل هناك رجل ليس في عينيه بياض؟!".

مثلُ هذا النوع من المزاح - المزاح الحق الذي لا يُخرِج الإنسان عن طَوره - مقبول، فليس فيه إساءةٌ أو انتقاص أو سبب في إثارة مشكلة، أما المزاح الذي يتجاوز فيه الإنسان حدود الأدب، والذي يكون فيه اعتداء على الحقوق فهو الذي يثير الغضب ويؤدي إلى الخصومة.

جـ- أسباب أخرى مؤدي للوقوع في الغضب:

التعدي على الآخرين، والعلو والتكبر في الأرض، وغفلةُ الإنسان عن آثار الغضب السيئة، وترك مجاهدة النفس.

^ آثار الغضب ونتائجه:

        وكم في الغضب من ضرر وشر! فبسببه يقع المرء في ذل الاعتذار وفي الحديث: "إياك وكل ما يُعتَذَر منه". رواه أحمد وابن ماجة. فلا تتكلم بكلمة تُضطر لسحبها والاعتذار عن قولها، بل زِنْ كلامك قبل أن تتكلم؛ حتى لا توقعَ نفسك في بأسٍ أو سوء.

كم من أبٍ طرد ابنه نتيجة الغضب، فصار الابن مع عصابة الأشرار، وربما أصبح من جماعة المخدرات والمسكرات!

كم من غضب أدى إلى الطلاق البائن!! حيث يسارع الرجل إلى تطليق امرأته ثلاث مرات، وبألفاظ خطيرة تحتاج إلى فتاوى معقدة، فتتهدّم أسرة قائمة وتتمزق نتيجة لحظة غضب، ويصير مصير الأولاد الضياع والتشتت، فيندم المرءُ، ولات ساعةَ مَندَم. قال سيدنا علي رضي الله عنه: "الغضب أوله جنون وآخره ندم".

وللشاعر أبي العتاهية - الشاعر المشهور الذي اشتُهِر بزُهديّاته في آخر حياته - بيتٌ جميل جداً في هذا المقام يقول فيه:

ولم أرَ في الأعداءِ حينَ اختـبرْتُهمْ     عدوّاً لعقلِ المرءِ أعدى من الغضبْ

فالغضب يصل بالإنسان إلى الجنون، ويولد الحقد في النفوس، ويطلق اللسان بالشتم والسب والقذف والكلمات الفاحشة البذيئة، فلا يضبط نفسه أبداً، ثم يتطور الأمر فيصل إلى أن تنطلق اليد بالضرب والاعتداء، لذلك أوصى العقلاء والحكماء بتأخير العقوبة إلى حال الرضا.

^ آلية تأثير الغضب على جسم الإنسان:

كما وصف صلى الله عليه وسلم الداء وصف الدواء ففي حديث رواه أحمد وأبو داود و ابن حِبَّان أنه عليه الصلاة والسلام قال: "إذا غضب أحدكم وهو وقائم فليَجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فَليضطَجِع". رواه أبو داود.

فما هي تأثيرات الغضب على جسم الإنسان؟ و لماذا وصف لنا النبي عليه السلام هذا العلاج؟ وكيف يؤثر الوقوف والاضطجاع على الغضب؟ هذه ثلاثة أسئلة للإجابة عليها لابّد أن نتوقف عند الغُدَّة الكظرية...

        أثبت الأطباء في بحوثهم الجديدة أن للغضب تأثيرات خطيرةً على جسم الإنسان، تقع الغدة الكظرية للإنسان فوق الكليتين، ومن وظائف هذه الغدة إفراز هرمون الأدرينالين، ومهمة هذا الهرمون أنه يساعد الإنسان على التهيُّؤ للمهمات الصعبة، ويسميه بعض الأطباء هرمون القتال وقوة الأداء. فإن كان لديك اضطراب في نظم القلب فلا تغضب، فهرمون الأدرينالين يمارس تأثيره على القلب فيسرع القلب في دقاته، وقد يضطرب نظم القلب ويحيد عن طريقه السوي، ويجعل الإنسان في حالة من فقد التوازن عندما يغضب نتيجة إفراز هذا الهرمون بشكل كبير، ولهذا فإن الانفعال والغضب يسببان اضطراباً في ضربات القلب وكثيراً ما نشاهد من يشكو من الخفقان في القلب حينما يغضب أو ينفعل.

وإن كنت تشكو من ارتفاع في ضغط الدم فلا تغضب: فإن الغضب يرفع مستوى هذا الهرمون في الدم مما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، والرسول صلى الله عليه وسلم يكررها ثلاثاً: "لا تغضب". والأطباء ينصحون المرضى المصابين بارتفاع ضغط الدم أن يتجنبوا الانفعالات والغضب. وإن كنت مصاباً بمرض في شرايين القلب بعدم الغضب؛ لأنه يزيد من تقلُّص القلب وحركته، وقد يهيئ ذلك لحدوث أزمة في القلب. وإن كنت مصاباً بالسكَّري فلا تغضب: فإن الأدرينالين يزيد من سُكّر الدم.

وقد ثبت علمياً أن هذه الهرمونات تنخفض تلقائياً بالاستلقاء كما قال صلى الله عليه وسلم: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع". ومن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم التي أُجريتْ عليها الدرسات العلمية ثبت بذلك معجزة للنبي عليه الصلاة والسلام قبل خمسة عشر قرناً أنه ينصح أتباعه والمؤمنين بما فيه مصلحتهم الدينية والدنيوية.

^ حِلم إمام المتقين .. سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:

كان النبي صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله يضرب لنا الأمثلة في الصبر والحلم ومكارم الأخلاق. فعن سيدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: "كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أثّرتْ بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، ثم أمر له بعطاء". انظروا إلى هذا الخلق النبيل النفيس، وإلى هذا التعامل الراقي من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ذلك الرجل الذي أساء إليه. هذا موقف عظيم منه عليه الصلاة والسلام، فقد كان يحتمل من حوله ويتألف قلوبهم ليدخلوا في الإسلام وينقذوا أنفسهم من ذلك الظلام الذي كانوا يعيشون فيه؛ ظلامِ عبودية الأوثان لينقلهم إلى عبودية الله الواحد القهار.

وعندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة فاتحاً بعد أن أُخرِج منها، مطأطئاً رأسه حتى أن أعلى أنفه ليلتصق بظهر دابته خضوعاً وتواضعاً لله سبحانه وتعالى. فلما أن اجتمع بقومه، ونظر إليهم وقد اجتمعوا حول الكعبة المشرّفة وهو يمسك بحلقة بابها قال: "ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟". قالوا: "خيراً. أخ كريم، وابن أخ كريم". وقد أخرجوه وأذوه وأصحابه: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". سنن البيهقي الكبرى. وعفا عنهم صلوات الله وسلامه عليه. مع أنه كان قادراً أنت ينتقم في تلك اللحظة من جميع من أساء إليه وممن أخرجه من مكة المكرمة.

أيها الإخوة القراء! الغضب خطر شديد على النفس، فعلى الإنسان أن يمتلك نفسه ويسيطر عليها، وأن يتأسى ويقتدي بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

 

اقرأ أيضاً

الغضب .. أسبابه وعلاجه (2)  اضغط هنا

الغضب .. أسبابه وعلاجه (3)  اضغط هنا

الغضب .. أسبابه وعلاجه (4)  اضغط هنا

 

 

 

 التعليقات: 2

 مرات القراءة: 3181

 تاريخ النشر: 23/09/2010

2010-10-10

محبك

جزاك الله خيراً و نفع بك .. موضوع رائع متكامل

 
2010-09-25

غسان

لقد وضعت يدك ياسيدي أبو منار على الداء الخطير الذي أكثر مشاكلنا منه بل ومشاكل العالم فهناك الثأر و القتل من كلمة.... وعدم الصفح لأمر تافه جداً.... فيدمّر الغضب كل شيء .....وحلوله التي بدأت بها جيدة و نافعة إن شاء الله لمن نفّذها وتوكل على الله و أخذ بها وإلى مزيد من هذا الموضوع المهم عسى الله أن ينفعنا بهذا الكلام وبكم آمين.

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 1447

: - عدد زوار اليوم

5413487

: - عدد الزوار الكلي
[ 55 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan