::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات المشرف

 

 

مراتب الصائميـن (2)

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان (المشرف العام)  

 

 

 

3- صوم خواص الخواص:

 

عرّفه الإمام الغزالي تعريفاً دقيقاً: "هو صوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية، وكفّه عما سوى الله بالكلّيّة".

خواص الخواص لا تغيب قلوبهم عن مراقبة الله سبحانه وتعالى، ومراقبة الله مقام عظيم. لمّا نزل سيدنا جبريل عليه السلام إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشهير الذي يرويه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه جلس إلى سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه، وبدأ يسأله عن الإسلام والإيمان، وختم الأسئلة بالسؤال عن الإحسان، "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك". متفق عليه.

إن غاية العبادة وغاية ما ينبغي أن يحرص عليه المسلم هي أن يصل إلى مقام "الإحسان"، فعلينا أن نعبد الله تعالى كأننا نراه، فإن لم نكن نستشعر ذلك  فلْنستشعرْ أنه سبحانه وتعالى يرانا، ومن كان يستشعر ويعتقد أن الله تعالى يراه فإنه لا يقع في المعصية، ولا يرتكب المحرّمات، ويبتعد كل البعد عن الضلال وأسبابه، ويحفظ قلبه عن الهمم الدنية، والأفكار الدنيوية التي لا ترتقي إلى مستوى مراقبة الله سبحانه وتعالى، ويحفظ قلبه عن الانشغال بسوى الله سبحانه وتعالى.

شهر رمضان فرصتنا للإقبال على الله سبحانه وتعالى، يقول الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: "في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله". القلب فيه تفرّق واهتمامات وانشغالات كثيرة، فحسب ما يشغل الإنسان قلبه يشتغل؛ فمن شغله بذكر الله ينشغل بذكر الله، ومن شغله بالتفكر والتأمل والتدبر ينشغل بذلك، ومن شغله بالذكر، والعيش مع الله سبحانه وتعالى في كل أحواله فلا شك أنه سيعيش مع الله دائماً. وكما قال الإمام أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى في وصية شيخه له: "ملتفتٌ لا يصل، ومشكّك لا يفلح، ومن لم يدرك النقصان من نفسه فكلّ أوقاته نقصان". فالذي يلتفت قلبه وينصرف عن الله سبحانه وتعالى، فينشغل بالدنيا وحطامها، فإنه لا يصل إلى الغاية العظمى وهي مراقبة الله تعالى التي هي مقام الإحسان، وهي درجة الصالحين الذين نذكرهم ونقول: "رضي الله عنهم ورحمهم". ترى ألا يستطيع الواحد منا أن يصل إلى هذه الرتبة؟؟ لا شك أنه بمجاهدة النفس، والتغلب على أهوائها، والسيطرة على شهواتها، يمكننا أن نصل إلى درجة الصالحين، وأن نعيش مقام الإحسان كما كان يعيشه كبار هؤلاء الصالحين رضي الله تعالى عنهم ورحمهم.

أيها الإخوة القراء! علينا أن نغتنم كل لحظة من لحظات شهر رمضان المبارك؛ لكي يرتقي حالنا، ولكي تعيش قلوبنا حالة الاتصال بالله سبحانه وتعالى، وعلى قدر نيّة العبد وهمته ومراده ورغبته يكون توفيق الله تعالى وعونه لعباده.

لنبدأْ عبادتنا في شهر رمضان بالإخلاص لربنا كما أمرنا سبحانه وتعالى بقوله:[]وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء...[] سورة البينة (5). فإذا علم الصائم أن الإخلاص في الصيام والعبادة والطاعة سببٌ لمعونة الله تعالى وتوفيقه، فستُشحَذُ همته للمزيد من العبادة والطاعة.

وهناك مسألة مهمة: هي أن ثواب الصيام ليس ثواباً عادياً، إنما هو ثواب مضاعف، لذلك كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخص رمضان من أنواع العبادة بما لا يخص غيره من الشهور، فمثلاً: كان يحرص على كثرة العطاء والسخاء والإنفاق في رمضان، وهو قدوتنا. يقول الله سبحانه وتعالى:[] لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ...[] سورة الأحزاب (21).  فلْنقتدِ بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يكثر من العبادات، من صلاة، وذكر، والدعاء، والصدقة، والإحسان إلى الناس وجبر خواطرهم. هذه أنواع متفرقة من العبادة، ولا يمكن أن نقف عند نوع واحد منها، فلْنعشْ هذه العبادات فيشهر رمضان المبارك، ولْنسألِ الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في شهر رمضان، وأن يجعلنا من عتقائه من النيران.

 

^ دعاء:

اللهم! تقبل صيامنا وقيامنا، وأعنا على ذلك يا رب العالمين، وأعنا على غض البصر وحفظ اللسان، واجعلنا اللهم من عتقائك من النيران. اللهم! بلّغنا درجة الصالحين، وبلغنا درجة المحبين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! أغث أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. اللهم! اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، نستغفرك فإنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا، وأمددنا بأموال وبنين، واجعل لنا جناتٍ واجعل لنا أنهارا. اللهم! فرّج عن أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم فرج الهم عنا وعن المهمومين، ونفّس الكرب عنا وعن المكروبين، واقض الدين عنا وعن المَدينين. اللهم! رضّنا وارض عنا، وإلى غيرك لا تكلنا، وارض عنا رضاءً لا سخط بعده، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! احشرنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصدّيقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. اللهم! عافنا واعف عنا، وأصلح أحوالنا، وتقبل أعمالنا، واجعل هذه الأعمال خالصة لوجهك الكريم. اللهم! انفعنا وانفع بنا، وعلّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما برحمتك يا أرحم الراحمين. نسألك علماً نافعا، وقلباً خاشعا، ورفقاً واسعا، وطَرْفاً دامعا، وعملاً متقَبَّلا، وشفاءً من كل داء. اللهم! اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وعاف مبتلانا ومبتلى المسلمين. اللهم! أنزل على مرضانا شفاءً من عندك لا يغادر سقما، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

 

القسم الأول من المقال  اضغط هنا

 

 

 

 التعليقات: 0

 مرات القراءة: 2681

 تاريخ النشر: 01/09/2010

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 1558

: - عدد زوار اليوم

5413598

: - عدد الزوار الكلي
[ 50 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan