::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات المشرف

 

 

أولاد النبي صلى الله عليه وسلم ومكانتهم منه (2)

بقلم : الشّيخ محمد خير الطرشان "المشرف العام"  

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

^ أحفاد النبي صلى الله عليه وسلم:

أنجبت السيدة فاطمة رضي الله عنها ريحانتي رسول الله صلى الله عليه وسلم "الحسن والحسين"، وأنجبت من البنات "زينب وأم كلثوم" رضي الله عنهم وأرضاهم. وقد كان الرسول الله صلى الله عليه وسلم يحبهم حباً كبيراً، وكان يُسبغ عليهم من عطفه وحنانه وحبه، وخاصةً الحسن والحسين الذين كان يقول فيهما: "اللهم إني أحبهما فأحبَّهما وأحبَّ من يحبهما". سنن الترمذي. وهذا فيه عناية بالغة بالحسن والحسين رضي الله عنهما. وفي رواية أخرى كان يقول عليه الصلاة والسلام: "اللهم إني أحبهما فأحبهما وأبغض من أبغضهما". المعجم الكبير. وكأنه بذلك يشير إلى أن الحسن والحسين لهما خصوصية عنده صلى الله عليه وسلم، فمن أراد أن يكون قريباً من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليحبَّ الحسن والحسين؛ سيّدي شباب أهل الجنة في الجنة كما أخبر بذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم.  

مرةً جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عليٌ والحسن والحسين وقد أمسك بيد كلٍ منهما، فدخلوا جميعاً في مجلس واحد، وكانت السيدة فاطمة رضي الله عنها في ذلك المجلس، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقعد حسناً وحسيناً كل واحد على فخذ، ثم لفّ عليهما كساءً وحوله فاطمة وعلي، وتلا قول الله تعالى:[]إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا[] سورة الأحزاب (33). ثم قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس". سنن الترمذي. دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يُذهب عنهم الأذى، وأن يُذهب عنهم كل ما هو من أسباب الشحناء أو البغضاء أو نحو ذلك؛ لكي تكون هذه الأسرة مقربة إلى كل أسرة في الإسلام، فآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانتهم عظيمة كما ثبت في القرآن الكريم، وكما ثبت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أيها الإخوة القراء! هكذا تبدو لنا عناية رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبنائه وأبناء بناته رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

مرةً سجد النبي صلى الله عليه وسلم سجدةً طويلةً حتى ظن بعض الصحابة أنه قد أصابه شيء، فلما رفع النبي صلى الله عليه وسلم من السجود وانتهى من صلاته حدثوه بذلك: لماذا أطلت السجود يا رسول الله؟ لقد خشينا أن يكون حدث لك شيء! فقال: "كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته". مسند أحمد. أي إن الحسن أو الحسين رضي الله عنهما قد ركب أحدهما على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يُرِدْ صلى الله عليه وسلم  أن يستعجله في النزول حتى نزل وحده، فلما نزل رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه. وبذلك يعطينا مثلاً واضحاً على العناية بالأطفال ورعايتهم وإكرامهم، وأن يكون لهم من قلب أبيهم مكانة مميزة.

ومرة رُئي النبي عليه الصلاة والسلام وهو آخذ بكتفي الحسين يرقصه بين يديه وهو يقول: "ترقَّ.. ترقَّ.." أي اصعد اصعد، فما زال الصبي يرقى حتى يضع قدميه على صدر جده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: "افتح فاك". مجمع الزوائد. فيفتحه الغلام، فيقبله النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "اللهم إني أحبه فأحببه وأحبب من يحبه". صحيح مسلم.

إذاً النبي عليه الصلاة والسلام يعطينا أمثلة من علاقة الودّ والمحبة والتكريم والرعاية فيما بينه وبين أحفاده، كما أعطانا نماذج من رعايته لبناته رضي الله عنهم وأرضاهم. لذلك لما عجب أحد الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقبّل حفيده ويوليه هذه العناية قال: "والله إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم واحداً!". فلم يكن التقبيل شائعاً بين الأب وولده بشكل كبير. فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم  وقال: "من لا يَرْحَم لا يُرْحَم". متفق عليه. فالقلب يخفق عادة من رحمة الأولاد والشفقة عليهم، ومن جملة هذه الرحمة أن يقبّل الأب أولاده إشعاراً لهم باهتمامه بهم.

^ وداع السيدة فاطمة لأبيها صلى الله عليه وسلم ثم لحوقها به:

في مرض موت النبي صلى الله عليه وسلم، عندما اشتد عليه الكرب والوجع ورأته السيدة فاطمة رضي الله عنها يتغشاه ما يتغشاه من الألم وتصبب العرق، قالت رضي الله عنها: "واكرب أبتاه!!". فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم". صحيح البخاري. فلما مات الرسول صلى الله عليه وسلم وصعدت روحه إلى بارئها، إلى الملكوت الأعلى، قالت السيدة فاطمة تناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجىً بين يديها: "يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه". هي كلمات مؤثرة خفق بها قلب السيدة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، وهي تعبر عن محبتها وتعلقها بأبيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. لذلك بعد أن دُفن النبي صلى الله عليه وسلم قالت السيدة فاطمة تخاطب أنس بن مالك وبعض الصحابة: "كيف طابت نفوسكم أن تحثوا التراب على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!". هذا الحديث رواه الإمام البخاري، وفيه تعبير عن شدة الألم الذي لحق بالسيدة فاطمة رضي الله عنها. ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشّر السيدة فاطمة بأنها أسرع الناس لحوقاً به من أهل بيته، فبعد ستة شهور على ارتقاء روح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاهرة إلى الملأ الأعلى، وافت المنيةُ فاطمة الزهراء رضي الله عنها فكانت أول أهل بيته صلى الله عليه وسلم لحوقاً به .

هكذا ودّعت فاطمة رضي الله تعالى عنها الحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بزمن يسير.

^ الأولاد الذكور للنبي صلى الله عليه وسلم:

أيها الإخوة القراء! ربما يسأل بعضنا عن أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذكور؛ ألم يترك الرسول صلى الله عليه وسلم  ذكوراً؟ ألم يولد له من الأولاد ذكور؟ لماذا نهتم ببنات الرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نهتم بأبنائه الذكور؟؟

المعلوم تاريخياً أن النبي صلى الله عليه وسلم رُزق من السيدة خديجة رضي الله عنها بـ "القاسم"، وكان يُكنى به فيقال له "أبو القاسم" عليه الصلاة والسلام. ثم بعد ذلك رزق من خديجة بـ "عبد الله" وكان يلقب بالطاهر الطيب، وقد سمي بذلك لأنه ولد بعد النبوة، لكن القاسم والطاهر الطيب تُوُفِّيا صغيرين.

يقال إن القاسم بلغ سن المشي، ولكن رضاعته لم تكن قد تمت عندما مات، ويذكر الإمام السهيلي رحمه الله تعالى في كتابه "الروض الأنف" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة رضي الله عنها بعد بعثته فوجدها تبكي، فقالت: "يا رسول الله! درّت لبنيّة القاسم، فلو كان عاش يستكمل رضاعته". فالق لها صلى الله عليه وسلم: "إن له مرضعاً في الجنة". صحيح البخاري. لقد كان الحليب واللبن في ثدي السيدة خديجة رضي الله عنها، فتأثرت على ولدها لفقده، فبشّرها النبي صلى الله عليه وسلم أن له مرضعاً تنتظره في الجنة لتكمل رضاعته. إذاً مات كل من القاسم وعبد الله الملقب بالطيب الطاهر صغيرين ولم يبلغا سناً كبيرة.

أما ولده "إبراهيم" فقد رزق به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من "ماريا القبطية"، وقد كان شديد الشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هذا الشبه يزداد وضوحاً كلما تقدمت به الأيام، وقد تعلق به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلقاً شديداً، ولعل السبب في ذلك أنه ولد بعد وفاة القاسم والطاهر الطيب، وبعد موت زينب ورقية وأم كلثوم، وبعد موت السيدة خديجة رضي الله عنهم أجمعين.

لكن فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَطُلْ كثيراً، فقد مرض إبراهيم مرضاً شديداً، وأصابه ما يعتري الإنسان عندما يُحتَضر في الوفاة، ولما احتُضر إبراهيم أُبلغ النبي الله صلى الله عليه وسلم بأمره، فاشتد الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم  لدرجة أنه استند إلى ذراع عبد الرحمن بن عوف من شدة ألمه على ولده، وسارا حتى أتيا إلى النخل الذي كان به إبراهيم، فدخل الرسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجده في حِجر أمه يجود بأنفاسه الأخيرة، فأخذه عليه الصلاة والسلام ووضعه في حجره وقد ملك الحزنُ عليه قلبَه، وقد بدت صورة الألم تتبدى واضحة في قسمات وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "إنا يا إبراهيم لا نغني عنك من الله شيئاً". ثم وجم[1] رسول الله والغلام يجود بأنفاسه، وأمه وأختها تصيحان فلا ينهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استوى إبراهيم جثماناً لا حراك به ولا حياة فيه، وفاضت روحه إلى الله تعالى، ذرفت عينا رسول الله الدموع وهو يقول: "يا إبراهيم! لولا أنه أمرٌ حق ووعدٌ صدق وأن آخرنا سيلحق بأولنا لحزنّا عليك أشد من هذا!". وكأن النبي عليه الصلاة والسلام يُعلم من حوله بأن هذه الحياة الدنيا لا تدوم لأحد، لا لصغير ولا لكبير ولا لقريب ولا لبعيد، ثم صمت النبي صلى الله عليه وسلم لحظات بعد أن فارقت روح إبراهيم جسده، قال بعدها عليه الصلاة والسلام: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، و لا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون!". صحيح البخاري.

هكذا ودّع رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاده كلهم، وبعد أن ودع إبراهيم بشكل خاص ذهب صلى الله عليه وسلم لزيارة سعد بن عبادة - وهو من سادات الأنصار وكبرائهم - وكان قد اشتكى وأصابه مرض فوجده بين أهله، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى القوم بكاءه بكوا لبكائه. فقال عليه الصلاة والسلام: "ألا تسمعون؟! إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم". متفق عليه. أي أن العين إذا ذرفت، والقلب إذا خفق شوقاً، فذلك مباح مسموح به، لكن العبرة للسان؛ فتلك المرأة الندابة أو النّواحة التي تنوح على من تفقد هي التي تعذب على لسانها. وذلك اللسان عندما يسبّح بحمد الله ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويرضى بما قسم الله تعالى فيكون سبباً في الرحمة.

مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووافق موته كسوف الشمس، فرأى المسلمون ذلك وكأنه معجزة أو نوع من الحزن على موت إبراهيم، فقالوا: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم. فلم يرضَ النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، ولم يُقِرَّهم على هذا الاعتقاد، فقام في الناس خطيباً قائلاً: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله". مسند أبي عوانة.

أيها الإخوة! أي موقف جليل هذا؟! بل أي عظمة هذه التي جعلت الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في أشد حالات الحزن المفجع لا ينسى رسالته التي بعث فيها، ولا يسكت عن الصدق والحق، بل يخرج من هول المصيبة وشدتها ليخطب في الناس ليصحح لهم المفاهيم المغلوطة والمعتقدات الفاسدة، وموضحاً لهم حقيقة ما ظنه الناس معجزة ظاهرة، وظنوا أنها كسفت لموت إبراهيم! إنها صدق الرسالة! إنها صدق النبوة التي جاء بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذه الأخلاق العظيمة والصفات الجليلة هي التي جعلت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتعلقون به ويحبونه ويقدمونه على أنفسهم، ويجعلون من شخصية النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً عظيماً يفتدونه بأموالهم وأنفسهم، وهذا ما كان يعبر به أحدهم فيقول: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله".

نسأل الله أن يحشرنا معهم يوم القيامة وأن يكرمنا بصدق المحبة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين.



[1] وجم: أي ظهر عليه شدة التأثر وذرفت عيناه.

 

 

 

 

اقرأ أيضاً

أولاد النبي صلى الله عليه وسلم ومكانتهم منه (1) اضغط هنا

 

 

 

 

 التعليقات: 2

 مرات القراءة: 2665

 تاريخ النشر: 16/07/2010

2011-01-13

الطالب علي تركي \من السعودية

السلم عليكم ورحمة الله وبعدجزاك الله كل خير على المعلومات القيمة اتمنى التوفيق الى الامام لاتنسونا دعاؤكم لي السلام على من تبع الهدى

 
2010-07-21

غسان حماة

أستاذنا المحبوب الشيخ محمد خير يعجز اللسان عن شكركم ولكن أقول لحضرتكم كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : جزاك الله خيراً

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 1478

: - عدد زوار اليوم

5413518

: - عدد الزوار الكلي
[ 53 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan