::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات المشرف

 

 

أولاد النبي صلى الله عليه وسلم ومكانتهم منه (1)

بقلم : الشّيخ محمد خير الطرشان "المشرف العام"  

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللّهم افتح علينا فتوح العارفين، ووفقنا توفيق الصالحين، واشرح صدورنا، ويسّر أمورنا، ونوّر قلوبنا بنور العلم والفهم والمعرفة واليقين، واجعل ما نقوله حجة لنا، ولا تجعله حجة علينا برحمتك يا أرحم الراحمين.

^ منزلة السيدة فاطمة رضي الله عنها عند أبيها عليه الصلاة والسلام:

تناولنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أباً، وتحدثنا عن علاقته ببناته الأربع "زينب" و"رقية" و"أم كلثوم" و"فاطمة" رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن. ووصل بنا الحديث إلى السيدة "فاطمة الزهراء" رضي الله تعالى عنها، التي وصفها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها سيدة نساء أهل الجنة في الجنة، وأنه عليه الصلاة والسلام كان يبين مكانتها من قلبه فيقول: "فاطمة بَضعة مني، فمن أغضبها أغضبني". صحيح البخاري. ومع ذلك كلِّه فقد كانت السيدة فاطمة رضي الله عنها من جملة بنات النبي صلى الله عليه وسلم اللواتي لا يغني عنهن من الله شيءٌ إلا صالح ُ العمل، فقد نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً آلَ بيته الكرام، وأخبرهم بأنه لا يغني عنهم من الله شيئاً، وكان بذلك يدعوهم إلى مزيد من العمل والصلاح والالتزام بما يقرره مبدأ "لا إله إلا الله .. محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وهو العمل الصالح، والإيمان الصادق، وأن يعمل الإنسان المسلم لآخرته كأنما يموت غداً، وأن يعيش لدنياه كأنما يعيش أبداً،  إذاً.. فاطمة الزهراء رضي الله عنها كانت مقربةً ومميزةً عند سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

^ معايشتها رضي الله عنها لآلام أبيها عليه الصلاة والسلام منذ طفولتها:

عاشت السيدة فاطمة رضي الله عنها كل الآلام التي تعرض لها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعانت الكثير الكثير من شدة ما تعرض له سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ورغم أنها كانت طفلة صغيرة فقد أدركت أيام الحصار، ورأت عصابةَ المشركين كيف كانت تجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار الكعبة وتقول له: أنت تقول كذا وكذا في آلهتنا؟؟ أنت تشتمها وتعيبها وتسبّها؟؟؟ وسمعت تلك العصابةَ وهي تَعرِض العروض على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المال والجاه والنساء؛ لتصرفه عن دين الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يُعرِض عنهم، ولا يأبه بكل عروضهم هذه، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقِرّ بأنه هو الذي يقول كذا.. وأنه هو من يدعو إلى كلمة التوحيد، وهو من يقول: "قولوا لا إله إلا الله تُفْلِحوا". فتح الباري. فكان أحدهم يأخذ بمجمع رداء النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يخنقه، وفاطمة رضي الله عنها ترى ذلك المشهد، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه كان يصرفهم ويبعدهم عنه ويقول: "أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟!".

كانت السيدة فاطمة رضي الله عنها فتاة ناشئة، عندما مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الظروف، فكانت تبكي بكاء شديداً، وكانت تبلل وجنتيها بالدموع وهي ترى أباها صلى الله عليه وسلم يتعرض لهذه المضايقات كلها.

مرةً كانت في البيت العتيق حول الكعبة المشرفة؛ عندما جاء عقبة من أبي معيط ليلقي سلى الجزور[1] على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فتقدمت هذه الفتاة الصغيرة من أبيها وأزالت عن ظهره ما وضعه ذلك الرجل الآثم (عقبة من أبي معيط) من سلى الجزور، وقامت رضي الله عنها تدعو عليه لأنه أساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يسمع دعاء ابنته فيرقّ قلبه لها، فيرفع رأسه عليه الصلاة والسلام من سجوده ليقول: "اللهم عليك بالملأ من قريش، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف". مسند أبي عوانة. أولئك هم كبراء قريش الذين وقفوا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

^ فاطمة رضي الله عنها .. "أمُّ أبيـها":

نشأت السيدة فاطمة رضي الله عنها في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تعامل أباها كما تعامل الأمُّ ولدَها، فكانت تغسل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنفض التراب عن وجهه، وتمسح كل ما أصابه من ألم، تمسحه بيدها وبدمعها وبرقة قلبها، وكثيراً ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لها: "يا أمًّ أبيها".

^ زواجها من سيدنا علي رضي الله عنهما:

كبرت السيدة فاطمة وبلغت مبلغ الصبايا، و أصبح سنها ثمانية عشر عاماً، فتقدم لخطبتها سيد الرجال آنذاك؛ سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر! أنتظر بها القضاء". الطبقات الكبرى. فتقدم بعد ذلك عمر رضي الله عنه لخطبتها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم القولَ نفسَه، فعندما رأى سيدنا علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزوجها أبا بكر ولا عمر رضي الله عنهما، تقدم علي لخطبة فاطمة رضي الله عنها على استحياء؛ لأنه لم يكن مؤهلاً ولا مهيأ لخطتها. يقول سيدنا علي رضي الله عنه: "فلما قعدتُ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أُفحمت، فما أستطيع أن أتكلم، فسألني رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي! ما الذي جاء بك؟ ألك حاجة؟؟ فسكتُّ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لعلك جئت تخطب فاطمة؟ قلت: نعم يا رسول الله!". فزوّجه إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدّ علياً رضي الله عنه هو الأكثر مناسبة للسيدة فاطمة بإذن من الله سبحانه وتعالى.

* الدعاء للزوجين بالبركة هو أساس في نجاح الحياة الزوجية:

في ليلة زواج علي من فاطمة رضي الله عنهما؛ دعا لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاءً خاصاً، أصبح سنة مألوفة إلى زماننا هذا، جاء النبي عليه الصلاة والسلام بماء فتوضأ منه، ثم أفرغ عليهما من ذلك الماء، الذي زاد عن وضوئه صلى الله عليه وسلم وقال: "اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما". الطبقات الكبرى. فكان هذا الدعاء دعاءً مسنوناً لكل زوجين، ومن السنّة أن يفعله كل رجل يزوّج ولده أو ابنته؛ أن يدعو لهما بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الزفاف.

وهنا نشير إلى ببعض العادات التي يفعلها بعض الناس عندما يزوجون بناتهم أو أولادهم، فلا نرى التزاماً بمنهج الإسلام الصحيح، ولا بسنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل نرى تشجيع على بعض العادات الجاهلية، أو العادات التي تطرأ على حياة الناس؛ فلا نرى دعاءً ولا سؤالاً بالبركة، ولا حرصاً على الوضوء والحشمة والستر، ولا نرى أي سعي أو حرص لكي يكون كل أب أو أم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ زفاف علي من فاطمة رضي الله عنهما.

إذاً الدعاء هو أساس في نجاح الحياة الزوجية، وهو أساس في استقرار الحياة الأسرية.

^ مكانة سيدنا علي كرّم الله وجهه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم:

سيدنا علي رضي الله عنه عندما سمع دعاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا رسول الله! أينا أحب إليك.. أنا.. أم فاطمة؟". لِمَا كان النبي عليه الصلاة والسلام يولي علياً من العناية، ولما كانت فاطمة رضي الله عنها على قدر كبير من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عليه الصلاة والسلام: "فاطمة أحب إليّ منك؛ وأنت أعزّ عليّ منها". مجمع الزوائد. انظروا إلى هذا الجواب الدقيق الذي عبّر به النبي صلى الله عليه وسلم عن محبته لابنته فاطمة، وعن إجلاله وإكباره وقرب سيدنا علي رضي الله تعالى عنه من قلبه، ففاطمة أحب إليه من علي لأنها بضعة منه، أما علي فهو أعز عليه منها، وأكثر قرباً واهتماماً من بين شباب الإسلام. وهذا ما يفسر لنا أن النبي عليه الصلاة والسلام عندما قال : "لأُعطينَّ الرايةَ رجلاً، يحب الله ورسوله ويحبه اللهَ ورسوله". صحيح مسلم. كان يعني بذلك سيدنا علياً كرّم الله وجهه ورضي عنه، وهذا يدل على أن لعليٍّ مكانة كبيرة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم منذ زمن بعيد؛ فقد نشأ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شاباً يافعاً، وعاش لصيقاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يعرف كل خصائص شخصية علي، يعرف قوة إيمانه، وبطولته، وفدائيته، وتضحيته في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك عندما قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة من مكة إلى المدنية وأراد أن يترك أحداً في بيته ليردّ الودائع إلى أصحابها، اختار سيدنا علياً رضي الله عنه، مع أن هذه المهمة يمكن أن تعرّض الرجل لفقد حياته؛ لأن شباباً أشداء أقوياء من قريش كان يستعدون لقتل من يبيت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما أن خرج عليهم علي فوجئوا أن رسول الله قد نجا منهم، وأن علياً هو الذي بات في فراشه صلى الله عليه وسلم.

إذاً.. مكانة سيدنا عليّ من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانة عظيمة، لذلك أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبرزها لسيدنا علي في هذا المقام فقال: "أنت أعز علي منها". مجمع الزوائد.

^ أدلة في حب النبي عليه الصلاة والسلام لفاطمة وحرصه على مشاعرها:

أ- رفضُه عليه الصلاة والسلام زواجَ علي بابنة أبي جهل:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب فاطمة حباً عظيماً، ولمّا أن بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن عليّ يريد أن يتزوج امرأة مخزومية وهي ابنة عمر بن هشام المعروف بأبي جهل لم يوافق عليه الصلاة والسلام على هذا الزواج؛ حرصاً على قلب السيدة فاطمة رضي الله عنها. وقد خطب في الناس مبيناً لهم هذا الأمر فقال: "إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلّق ابنتي وينكح ابنتهم؛ فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها. وإني أتخوف أن تفتن في دينها". صحيح مسلم.

إذاً ما رضي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج علي من ابنة أبي جهل على السيدة فاطمة رضي الله عنها؛ لمكانتها من قلبه صلى الله عليه وسلم، وقد وضّح النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الموقف أنه لا يريد أن يُحرم حلالاً، أو أن يُحل حراماً؛ ولكن قال: "والله لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله في بيت واحد أبداً". مسند أبي عوانة. فهذه هي العلة التي منعت رسول الله صلى الله عليه أن يأذن لسيدنا علي رضي الله عنه بالزواج من ابنة أبي جهل؛ حرصاً على قلب السيدة فاطمة، فهي ابنة رسول الله، فكيف تكون ضرتها ابنة عدو الله أبي جهل الذي كان يتحدى رسول صلى الله عليه وسلم؟؟! وهذا أحد الأدلة التي تؤكد مكانة السيدة فاطمة رضي الله عنها في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ب- شهادة السيدة عائشة رضي الله عنها:

جاء في الحديث الذي يرويه الإمام الترمذي أن عائشة رضي الله عنها سُئِلت: أي الناس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟؟ فقالت: "فاطمة". قيل: ومن الرجال؟ قالت: "زوجها إن كان صواماً قواماً". أي أن علياً رضي الله عنه كان كثير الصيام دائماً القيام، لذلك كان مقرباً من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

 


[1] سلى الجزور: أحشاء الناقة بما فيها من قذر ودماء وغير ذلك من الأشياء التي تأباها النفس البشرية.

 

 

 

اقرأ أيضاً

أولاد النبي صلى الله عليه وسلم ومكانتهم منه (2) اضغط هنا

 

 

 

 

 

 

 

 التعليقات: 1

 مرات القراءة: 3594

 تاريخ النشر: 07/07/2010

2011-06-28

رنيم

جميلة جدا

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 1558

: - عدد زوار اليوم

5413598

: - عدد الزوار الكلي
[ 51 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan