::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات المشرف

 

 

المؤمن كالغيث.. نفعٌ كُلُّه (2)

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان (المشرف العام)  

 

 ˜كل معروف صدقة

كل معروف تبذله للناس هو صدقة، ولو كان أمراً يسيراً كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل معروف صدقة وتبسمك في وجه أخيك صدقة"، أي من أدنى الأشياء التي يمكن أن يدخل الإنسان السرور مع أخيه أن يتبسم في وجهه، أن يلقي عليه السلام، أن يشعره بالأمان وبالعون، فإنه بذلك يحصل صدقة عظيمة.

هذا كلام مهم، فكل واحد منا يجب عليه في كل يوم أن يبدأ به صباحه بعمل صالح، فالإنسان الذي تتكون مفاصله من 360 مفصلاً أو سلامى أن يبدأ منذ اللحظة الأولى ليومه بالحسنات والصدقات وأفعال الخير لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل سلامى من الناس عليه صدقة"، فإذا كان عدد السلامى في جسد الإنسان 360 سلامى، فهذا يدل على أنه ينبغي عليه أن يفعل في كل يوم 360 صدقة، ابتداءً من السلام والتحية والابتسامة والمحبة للآخرين والعون، وانتهاء بإزالة الشوك عن طريق المسلمين الذي هو من ابسط ما يمكن أن يقوم به الإنسان المؤمن في يومه.

ولكن: هذه الصدقات الكثيرة، كيف نحصلها؟!.

يمكن أن نجمع هذه الصدقات من خلال باب واحد عظيم، وهو نفع الناس، لأنه من أعظم أبواب الصدقات، يمكن أن نحصل بها كل يوم أكثر من 360 نمن الصدقات التي قال بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه على كل سلامى في جسد ما صدقة. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على كل نفس في كل يوم طلعت فيه الشمس صدقة"، فقال أبو ذر: يا رسول الله، من أين نتصدق وليس لنا أموال؟، فقال صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر، إن من أبواب الصدقة التكبير وسبحان الله والحمد له ولا إلع إلا الله واستغفر الله، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوك عن طريق الناس والعظم والحجر، وتهدي الأعمى، وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، وتدل المستدل على حاجة له علمت مكانها، وتسعى بشدة ساقيك  إلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك".

إذا هذه الصدقات التي دلنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حرصنا عليها وعلى فعلها وعلى التمسك بها فإننا نكون من المؤمنين الذي ينفعون الناس.

 

˜ السلف الصالح، ونفع الناس

كان السلف الصالح رضي الله عنهم في إحسانهم للآخرين لا يرون لأنفسهم فضلاً على صاحب الحاجة، بل يرون الفضل لصاحب الحاجة الذي علق حاجته عليهم لقضائها.

ـ يقول سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه: [ثلاثةٌ لا أكافئهم: رجلٌ بدأني بالسلام، ورجلٌ وسع لي في المجلس، ورجلٌ اغبرت قدماه في المشي إلي إرادة التسليم علي، فأمار الرابع فلا يكافئه عني إلا الله عز وجل: رجلٌ نزل به أمرٌ فبات ليلته بفكر بمن ينزله ثم رآني أهلاً لحاجته فأنزلها بي]، فترك أمر مكافأته لله سبحانه لأنه عاجز عن أن يرد له المكافأة لأنه أنزله منزلة عظيمة ووضعه من نفسه موضعاً ذا قدر كبير.

ـ يروى عن سيدنا علياً بن الحسين رضي الله عنه، الملقب بزين العابدين، أنه كان يحمل الخبز  إلى بيوت المساكين في الظلام، ولا أحد يعرف من هو الذي يوزع الخبز ليلاً لبيوت المساكين والأرامل والفقراء، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك، فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم بذلك الخبز، عرفوا ذلك بوفاته، فهو لم يكن يفعل الخير مع الناس فقط، وإنما كان يفعله سراً، وكان لا يحب الظهور ولا يحب الرياء، ولا يريد لأحد من الناس أن يعرف أنه هو الذي فعل ذلك.

 

˜ من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم

يكفينا أن السعي في نفع الخلق وأن السعي في قضاء حوائج الناس وتقديم النفع لهم كان من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما جاءه الملك وهو في غار حراء وأصابه ما أصابه من الرجفة والرعدة وغير ذلك، فأرادت السيدة خديجة رضي الله عنها أن تطمئنه، فطمأنته بهذه الأخلاق وأنه من أهل الخير يقدم العون للناس، ويعين ضعيفهم وعاجزهم، فقالت له: [أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلأ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف]، فهذه خصال كريمة تجعلها يا رسول الله في خدمة الناس، تحرص من خلالها على تقديم العون لناس، فما جاءك ليس بشرٍ وإنما هو خير.

 

سيدنا أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه، كان يشبه في صفاته صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أن أحد المشركين وصفه كما وُصف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لما أراد أبو بكر الهجرة  إلى الحبشة، وخرج  إلى برك الغماد، لقيه رجل مشرك يقال له ابن الدغنة، فقال له: أين تريد يا أبا بكر؟، فقال له: أخرجني قومي من هذا البلد، وأريد أن أسيح في الأرض لأعبد ربي، فقال له: [إن مثلك لا يخرج، ولا ينبغي أن يُخرج، فإنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكلأ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق]، رواه البخاري.

أي أن أبا بكر رضي الله عنه كان يتصف بصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم، من حيث خدمة الناس وتقديم العون لهم ونفعهم.

Õ شُرَّاح الحديث عندما وقفوا على هذا الحديث استنبطوا منه حكماً شرعياً، وهو: أنه من كانت عنده منفعة متعدية للناس كالعالم، لا يُمَكَّن من الانتقال من بلد  إلى بلد، أي لا يسمح له بالهجرة بل عليه أن يبقى في بلده لأن قومه أحوج الناس أن ينتفعوا بعلمه وجهده وخيره وفضله، وهذه تذكرة لبعض العقول في البلاد الإسلامية التي تهاجر لتنفع أمماً غير إسلامية، صحيح أن نفعهم يعم الناس جميعاً، والإسلام ليس ضد ذلك، بل على العكس، الإسلام حريص على نفع الناس جميعاًً، ولكن أن يبقى صاحب العقل وصاحب الخبرة بين قومه وينفعهم خير من أن يخرج لنفس الناس في بلاد أخرى، وقد يكون لديهم من يكفيهم هذه المهمة.

أمر النبي صلى الله عليه وسلم كل مسلم يمكنه أن ينفع الناس بأي وجه من وجوه النفع، أن يقدم له ذاك النفع ما استطاع، فقال صلى الله عليه وسلم: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل"، ولما سُئل صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال: "إدخالك السرور على مؤمن أشبعت جوعته، أو كسوت عورته، أو قضيت له حاجة". فأي من هذه الأعمال هو أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى.

 

˜ المؤمن.. كالغيث..

هناك عبادات يمكن أن يكون نفعها خاصاً بالإنسان المؤمن نفسه، وهناك عبادات يتعدى نفعها  إلى الآخرين، وهذه من أفضل العبادات، كتعليم الناس العلم، وأحكام الشريعة، وأن يرشدهم  إلى دينهم ويبين لهم الأحكام، يتعدى هذا النفع  إلى الناس جميعاً.

وثواب من يعلم الناس الخير ثواب عظيم، وأجره أجر كبير، وله مثل ثواب من عمل بذلك العلم من الناس الذين علمهم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من علم علماً، فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العاملين".

فالإنسان عندما يتعلم حكماً شرعياً من عالم فيعمل بمضمون ما تعلم فللعالم أجر من عمل بذلك العلم.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، فالذي يجمع بين تعلم القرآن وتعليمه يكمل لنفسه كل أنواع الخير، النفع الذاتي والنفع النتعدي للآخرين، وهو مضمون قوله تعالى: ((ومن أحسن قولاً ممن دعا  إلى الله وعمل صالحاً وقال إني من المسلمين)).

المؤمن كالغيث.. وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضاً فقبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير"، وكذلك المؤمن في نفعه للناس وإرشاده لهم، وعونه للآخرين، هو كالغيث يسقط على الأرض العطشى، فتتقبله، فينبت نباتها وعشبها ويخرج منها الخير الكثير..

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن ينفعون الناس وينتفع الناس بهم.. بعلمهم وسلوكهم، بحالهم ومقالهم، وأن يجعلنا ممن حسنت أحوالهم، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه..

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 التعليقات: 0

 مرات القراءة: 3406

 تاريخ النشر: 27/06/2010

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 1517

: - عدد زوار اليوم

5413557

: - عدد الزوار الكلي
[ 48 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan