::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات المشرف

 

 

قيمة الوقت وأهميته

بقلم : الشّيخ محمد خير الطرشان "المشرف العام"  

  

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللّهم افتح علينا فتوح العارفين، ووفقنا توفيق الصالحين، واشرح صدورنا، ويسّر أمورنا، ونوّر قلوبنا بنور العلم والفهم والمعرفة واليقين، واجعل ما نقوله حجة لنا، ولا تجعله حجة علينا برحمتك يا أرحم الراحمين.

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس؛ الصحة والفراغ". صحيح البخاري. هنا يذكر سينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قيمة الوقت، كما يبين قيمة الصحة بالنسبة لإنسان.

حديثنا عن قيمة الوقت في حياة المسلم، كيف ينبغي للمسلم أن يستثمر وقته فيما ينفعه في دينه ودنياه؟

^ قيمة ومعنى الوقت من خلال قسم الله تعالى به في القرآن:

الوقت - كما فسره بعض أهل العلم - هو الحياة، وقد قيل: "إن الوقت من ذهب". ما قيمة الذهب، وما قيمة الألماس، وما قيمة الجواهر، وهي كلها من الماديات أمام الوقت الذي هو أغلى من الجواهر الثمينة؟ فمن أضاع وقته فقد أضاع حياته. إذاً كما أن الماء هو الحياة، فالوقت هو الحياة أيضاً. حياة الإنسان باستثمار وقته، وبانتفاعه بهذا الوقت، لذلك عدّ بعض أهل العلم تبديدَ الوقت وهدره جريمة كبرى في حق النفس، ومن هنا ندرك قيمة الوقت من قسم الله - سبحانه وتعالى - في القرآن الكريم بكل الأزمنة والأوقات، فالله - تعالى - أقسم بالليل والنهار، وأقسم بالفجر، والصبح، والضحى، والعصر، وهذه كلها أزمنة، والحكمة من هذا القسم بهذه الأوقات أن يلفت الله - تعالى - أنظارنا إلى الوقت وأهميته، وإلى قيمة هذه الأوقات على وجه التحديد.

^ الإشارة إلى أهمّيّة فترة الصّباح في حياة الإنسان:

لقد أقسم ربنا - سبحانه وتعالى - بالليل، وهو الذي جعل الليل لباساً، وأقسم بالنهار، وقد جعل النهار معاشاً، وأقسم بالصبح، وقد جعل الصبح فترة توزيع الأرزاق وتقسيمها على العباد، ومن هنا فإن النبي - عليه الصلاة والسلام - حينما عاد من المسجد ذات يوم، ووجد السيدة فاطمة الزهراء - رضي الله عنها - قد نامت بعد صلاتها ووِردها، فحركها وقال لها: "يا بنيّة! قومي اشهدي رزق ربك". رواه البيهقي.

إذاً هذا الوقت (وقت الصبح، ووقت الضحى بعد صلاة الفجر) هو وقت توزيع الأرزاق، وليس وقتاً للنوم أو التراخي، إلا عن ضعف، أو مرض، أو ضرورة، فالإنسان ينام عند الضرورة، ويأكل عند الضرورة، ويصوم عند الضرورة، ويأخذ الدواء عند الضرورة... والضرورات تقدّر بقدرها كما قال العلماء. فوقت الفجر والصبح بالذات وقت مبارك، ومن هنا أيضاً ندرك كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: "بورك لأمتي في بكورها". رواه الطبراني في الأوسط. وقت الصبح وقت البركة، وكثير من الناس اليوم قلبوا الشيء الرباني الإلهي في الحياة (وهو أن الليل للنوم، والنهار للعيش) فجعلوا النوم في النهار، والسهر في الليل، وهذه ظاهرة بدأت تنتشر بشكل كبير، فكثيرٌ من الناس يسهر في الليل إلى قبيل الفجر وينام في النهار وقت توزيع الأرزاق وتقسيم البركة، وربما ترك صلاة الفجر، وهذا الوقت كان معروفاً عند السلف الصالح بـأنه وقت مبارك، فالفاتحون، والمجاهدون في سبيل الله - تعالى - يسْرُون فيه، ويسيرون وهم يلمسون بركة هذا الوقت وقيمته، حتى بالنسبة لطلب العلم، وحفظ القرآن الكريم، وتلقّي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن وقت ما بعد صلاة الفجر هو الوقت الأنفع، والوقت الذي ثبت علمياً وطبياً أنه أكثر الأوقات التي تساعد الإنسان على ترسيخ المعلومة؛ لأن الذهن في ذلك الوقت يكون حالة فراغ، ونقاء، وصفاء، ولما تَدُرْ عجلة الحياة اليومية بعد، فلا يزال الإنسان في حالة من تَنَزُّل الرحمات من الله - سبحانه وتعالى - وقت السَّحر، أي ما قبل الفجر إلى ما بعد الفجر وشروق الشمس. إذاً.. ربنا - سبحانه وتعالى - أقسم بهذه الأوقات كلها ليلفت أنظارنا إلى أهمية الوقت وقيمته في حياة الإنسان المسلم.

^ ضرورة محاسبة النفس على ما قدمت:

لا بد من وقفة يقفها الإنسان مع نفسه، إن لم يكن كل يوم ففي كل أسبوع، وإن لم يكن في كل أسبوع ففي كل شهر، وإن لم يكن في كل شهر ففي كل عام، يقف الإنسان مع نفسه، فيحاسبها ويسألها: ماذا فعلتِ؟ ماذا قدّمتِ أيها النفس لهذا الدين؟ ماذا قدمتِ لهذه الأمة؟ ماذا قدمتِ من خير ونفع لحياة الناس؟ فالإنسان ينبغي أن يعامل نفسه كما يعامل التاجرُ الناجح في تجارته بضاعتَه ومحلَّه التجاري بشكل عام، فإنه يُجري جرداً سنوياً، أو شهرياً لبضائعه، فينظر ماذا ربح، وماذا خسر، ماذا طور في هذا المتجر، وماذا قدم للزبائن من البضائع. كذلك الإنسان عليه أن يقف مع نفسه وقفة يعيد فيها حساباته. وقفة المحاسبية أولى بكثير من تلك العادة التي يفعلها الناس بعد مضي عام من حياتهم، يقيمون ما يسمى بعيد الميلاد، عيد الميلاد عادة غربية لها طقوس وتقاليد معينة، طعام، وشموع، وأغانٍ، وموسيقى يفعلها بعض الناس احتفالاً بأعياد الميلاد، هذه بدعة وأمر مستحدث في الدين، فإجراء احتفالات بأعياد ميلادنا ليس له أصل في شريعتنا، الآن ربما يسأل إنسان: وكيف نقيم الاحتفال بذكرى ولادة النبي صلى الله عليه وسلم؟ الفرق واضح بين الأمرين؛ ميلاد سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو ميلاد أمة، ميلاد النور، ميلاد الخير، ميلاد العطاء، ميلاده - عليه الصلاة والسلام - كانت فيه نقلة نوعية كبيرة في واقع الأمة، بدّل حياة الناس من الشر إلى الخير، ومن الجهل إلى العلم، ومن الرذيلة إلى الفضيلة، لذلك من حق سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علينا أن نجعل شهراً في السنة نجدد فيه ذكرى هذا الميلاد الذي أحيا الأمة، وأوجد فيها نهضة جديدة لا مزال تعيش بخيرها، وخير سَلفنا الصالح - رضي الله عنهم - الذين قدموا لنا هذا الدين على طبق من ذهب، فقد بذلوا فيه أموالهم، وأرواحهم، ودماءهم رخيصة من أجل أن يصلنا، ونأخذه بالفطرة، فكل مولود يولد على الفطرة، أول ما يسمعه الإنسان عندما يولد هو (الله أكبر.. أشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن محمداً رسول الله)، فهو لم يتعب، ولم يبذل روحاً، أو دماً، ولم يهاجر من أجل أن يحقق الشهادة في سبيل الله، وأن يقول أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله بحقها، بل إنه لُقِّنها مع أول رضعة من حليب أمه، وأخذها بعين الاهتمام، ووجد نفسه مسلماً، مؤمناً بالله - تعالى - دون أن يبذل أي جهد في ذلك.

إذاً.. ينبغي أن يقف المؤمن وقفة متأنية مع نفسه، يحاسبها، ويسألها عما قدمت للأمة والمجتمع. كثيرٌ من الناس يظنون أن عمر الإنسان يحسب بالسنين، فإن عاش الإنسان ستين سنة، أو سبعين سنة، أو ثمانين سنة، فماذا قدم لأمته خلال هذه السنوات؟ ربما يعيش عاش الإنسان قرناً كاملاً (مئة سنة)، ثم يموت، فإذا بالناس ينسون اسمه، وتاريخه، ولا يذكرون منه شيئاً، فهذا الإنسان كأن حياته لم تُذكر، مضى من عمره هذه السنين، ولم يترك أثراً في التاريخ، لم يترك بصمة في الحياة، لم يترك شيئاً يذكره فيه الناس بخير، كعلم يُنتفع به، أو صدقة جارية يذكره الناس بها، أو فتوحات، أو بطولات، أو استشهاد في سبيل الله،أو خير عام للأمة والمجتمع.

^ نماذج عن اغتنام السلف الصالح للوقت:

حينما نتذكر بعض سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى، نتذكر أن هؤلاء استثمروا أوقاتهم، عملوا بما ينفع هذه الأمة، ويكفل أن يخلد التاريخ سيرتهم، ومجدهم، وأن يكتبها بحروف من ذهب، فاغتنموا شبابهم، وصحتهم، وفراغهم، وكل أوقاتهم، فاستثمروها فيما ينفع.

أ- الشيخ الرئيس (ابن سينا):

        الإمام ابن سينا - رحمه الله تعالى - عُرف واشتهر بكتابه (القانون في الطب)، وهو أشهر كتاب في الطب في القرون الأولى. ولد سنة 370 هـ، وتوفي سنة 428 هـ، لما بلغ عشر سنين من عمره كان قد أتقن علوم القرآن والأدب، قرأ القرآن الكريم، وقرأ الشعر، والنحو، وأتقن ذلك كله، وحفظ أشياء كثيرة من أصول الدين، والحساب، والهندسية، والجبر، والمقابلة، واعتنى بالعلوم الطبيعية والفلسفية، ونظر في النصوص، والشروح، والمطوّلات، ثم توجه بعد ذلك إلى علوم الطب. فالمرحلة التأسيسية في حياته كانت في تلقّي العلوم بأنواعها، ما بين علوم طبيعية، إلى علوم نظرية، إلى تجريبية، إلى هندسية، إلى العلوم الأساسية التي هي علوم الدين؛ القرآن، والحديث، والسنة، والفقه، وكل ما يتعلق بالضروريات في حياة الإنسان.

بعد أن أتقن هذه العلوم في هذه المرحلة - حيث كان قد بلغ العاشرة من عمره - توجه إلى دراسة علوم الطب، وقرأ في الطب كل الكتب التي كانت مصنفة آنذاك، حتى وصل إلى درجة فاق فيها الأوائل والأواخر، وأصبح مرجع أهل زمانه في هذا الفن، لذلك بدأ يعالج الناس وهو في السادسة عشرة من عمره، وكان طبيباً متميزاً، وله حُظوة كبيرة عند الناس. ومما ذُكر في حياته أنه لما بدأ المعالجة كان يعالج تأدباً لا تكسباً، ولم يزد عمره آنذاك على ستة عشر عاماً.

لم يثبت خلال فترة تعلمه العلوم الشرعية أنه نام ليلة واحدة كاملة، فقد كان ينام جزءاً من الليل، ويصحو في بقية الليل يستكمل في الليل علومه، ودراسته، وذكره، وكل ما يتعلق بمهنته الجديدة التي هي مهنة الطب. وفي النهار لم يكن ابن سينا يشتغل بسوى المطالعة، كان يكثر القراءة والمطالعة في الكتب، وكان إذا أشكلت عليه مسألة من المسائل في أي فن من الفنون يتوضأ، ثم يقصد المسجد الجامع، ويصلي فيه ركعتين، أو ما شاء الله تعالى، ثم يدعو الله أن يسهّل عليه شرح تلك المسألة، وفهمها، وما استعصى عليه منها، حتى يسهّلها الله - تعالى - عليه، ويفهما.

لما بلغ ابن سينا ثمانية عشر عاماً كان قد تفرغ من تحصيل العلوم والفنون كلها، وقد سُمّي ((الإمام الرئيس))؛ لأنه بلغ درجة عالية في كل الفنون بشكل عام.

إذاً.. الإمام ابن سينا استثمر وقته، ولم يضيّعه في الأشياء التي لا تنفع، لم يهدر وقته في الأشياء التي تعود بالضرر على النفس، والمال، والعيال، وعلى ما يُسمَّى بالضروريات الخمس في حياة المسلم، وكان نموذجاً متميزاً في الحفاظ على الوقت، واستثماره، والانتفاع به بما يمكن أن ينتفع به الإنسان.

ب- عمرو بن بحر (الجاحظ):

الجاحظ أحد أعلام اللغة والأدب في تاريخنا، كان من طبيعته أنه لا يقع في يده كتاب؛ إلا استوفى قراءته من ألفه إلى يائه، كائناً ما كان هذا الكتاب، وبأي فن من الفنون؛ فقهاً، أو أدباً، أو تفسيراً، أو فلسفة، أو طباً، أو فيزياء... لذلك عُرف عنه الموسوعية، وكثرة عنايته بالعلوم كلها.

درس الحيوان، وكتب فيه كتاباً متكاملاً، وبيّن فيه خصائص الحيوان، وطبائعه، كما تحدث عن الإنسان في كتبه الأدبية، وشرح وفسر القرآن الكريم، وترك لنا تراثاً عظيماً من العلم، والفنون، والمعرفة، لا يزال الناس ينتفعون به إلى زماننا هذا، وأعتقد أن الانتفاع بعلوم الجاحظ، وأمثاله من العلماء سيستمر إلى قيام الساعة.

كان من عادة الجاحظ أنه يستأجر دكاكين الوراقين، أي المكتبات التي تكون في الأسواق لبيع الكتب، فعندما يغلق صاحب المكتبة مكتبته في الليل كان الجاحظ يستأجر المكتبة إلى الصباح، يُقفل صاحب المكتبة عليه الباب ويذهب، ويبقى الجاحظ في المكتبة طوال الليل يقرأ من الكتب ما يستطيع، لا ينام الليل أبداً، لذلك إذا ذُكر الجاحظ يُقال هو إمام في اللغة، والأدب، والتفسير، وكتابه (البيان والتبيين) أعظم الكتب التي هي مرجع في الأدب، والشعر، واللغة، وفنون الحياة بشكل عام، لا يستغني عنه متـأدبٌ أو متعلم أبداً، حتى أنه ورد في ترجمته أن مكتبته وقعت عليه، فمات متأثراً بالكتب التي تساقطت فوقه، وكان قد كبِرت سنه، لم يستطع أن يُخرج نفسه من تحت الكتب.

جـ- الإمام ابن عقيل الحنبلي:

أحد العلماء الفقهاء المبرِّزين. كان هذا الرجل إذا تعطّل لسانه عن المذاكرة والقراءة، وتوقف بصره عن المطالعة، كان يقول: "إذا كنت في هذه الحال أُعمِل فكري وأنا منطرح". فبدلاً من أن يفكّر في الدنيا، أو أحلام اليقظة أو ماذا سيفعل غداً، كم سيربح؟ كم سيدبّر من المكائد والدسائس لمن حوله من الناس؟ فقد كان هذا الإمام يُعمِل فكرَه في المسائل العلمية، وكان يقول رحمه الله تعالى: "أنا في الثمانين من عمري أشد حرصاً مما كنت أجده وأنا ابن عشرين عاماً". علماً أنه كان في العشرين من عمره لم يضيّع وقته، ولم يهدر شيئاً منه، والدليل على ذلك أنه ألّف كتاباً سماه كتاب "الفنون"، بلغ مئــات المجلدات، هذا الرجل ما ضيع وقته.

ء- الإمام النووي:

والإمام النووي ليس بَعيدَ عهد عنا تقريباً، هو من القرن السابع الهجري، توفي سنة (676) هـ. كان - رحمه الله تعالى - يقرأ كل يوم اثني عشر درساً مع الضبط والتعليق، وليس مجرد قراءة، وكان لا يضيع وقته، حتى في الطرق كان يكرّر العلم، وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة بعد العشاء، ويشرب شربة واحدة بعد السَّحَر، وكان لا يأكل الفواكه، ولا الخيار، وكان يقول: "أخاف أن يُرطِّب جسمي، ويَجلِب لي النوم".

لا حظوا اهتمام السلف الصالح - رضي الله عنهم - بالوقت واستثماره، واغتنامه فيما ينفع، فقد كانوا يغتنمون كل دقيقة وثانية في حياتهم.

رحم الله الجاحظ، ورحم الله ابن سينا، وابن عقيل، والنووي، ورحم الله علماءنا السابقين الذين ضربوا لنا نماذجَ، وأمثلة في الحفاظ على الأوقات.

^ بعض نماذج من الأشياء التي يضيع الناس عليها أوقاتهم:

أيها الإخوة القراء! نلاحظ أن كثيراً من الناس يضيعون أوقاتهم، ويهدرونها دون استفادة منها، حتى في الشؤون المادية، ودون استفادة من الشؤون الأخروية، في الطاعة، والعبادة، والتقرب إلى الله في العلم النافع، وفي تحصيل الخير. ففي زماننا هذا، وفي هذه الأيام على وجه التحديد ينشغل كثير من الناس بمتابعة ما يسمى بمباريات كأس الأمم الأوربية، فتجد الناس الآن يتركون أشغالهم، وأعمالهم، ويسهرون إلى الفجر وهم يتابعون هذه المباريات، وكأنها جزء أساسي من حياتهم.

ديننا - أيها الإخوة الأعزاء - لا يمنع الترفيه، ولا يمنع أن يعيش الإنسان حياته بشكل طبيعي، لكن أن يغرق في الرفاهية، وفي قضاء الوقت، بل في قتله كما يسميه بعض الناس، حيث يدعو بعضهم بعضاً إلى سهرة، وعندما يُسألون عما يفعلون يقولون: نقتل الوقت. هذا الكلام يدل على الفراغ الذي أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوله: "نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس؛ الصحة والفراغ". صحيح البخاري. هذا الفراغ ينبغي أن يُستَثمر فيما ينفع، وفيما هو طيب، وصالح ونافع.

أ- الرياضة وكرة القدم:

الآن نجد المقاهي، والمتنزهات، والمطاعم قد نصبت الشاشات العملاقة، والضخمة، ويأتي الشباب، والرجال، ويسهرون وهم يتابعون هذه الكرة التي يتناقلها اللاعبون بين أقدامهم من هنا إلى هناك، هذا ليس مبرراً أن يضيّع الإنسان صلاة الفجر من أجل أن يتابع مباراة لكرة القد، ليس مبرراً أن يضيع الطالب امتحانه، وخاصة أن هذه البطولات عادة ما تُنَظّم في وقت الامتحانات، مثل مباريات كأس العالم، أو كأس الأمم الأفريقية، أو الآسيوية، أو الأوربية... كل البرامج الرياضية غالباً ما تنظم في أوقات الامتحانات، فبدل أن يسهر الطالب على امتحانه والتحضير، إذا به يغرق بمتابعة هذه المباريات، وينسى أن عنده واجباً أساسياً، وهو تحصيل العلم، والدراسة، والتقدم، والتفوق.

ب- المسلسلات المدبلجة:

هناك مسألة أخرى غرق الناس بها، هي المسلسلات المدبلجة، والتي هي موضة هذا العصر، وأنا أسمي هذه المسلسلات بالإعصار الهائج، الذي لم يترك لا شباباً، ولا بنات، ولا رجالاً، ولا أطفالاً إلا وأوقعهم في فخّ هذه المصيدة؛ فخ المسلسلات المدبلجة، الفيروس الخطير الذي اجتاح عالمنا العربي والإسلامي، وبدأ يأخذ طريقه في الانتشار، ويؤسس لمستقبل مجهول في حياة الفن، والتمثيل، وما يسمى بالدراما، وغير ذلك...

¤ إلى أين تقودنا هذه المسلسلات؟

النتيجة مجهولة، لكن أنا أعرف أن هناك شيئاً يؤسَّس له، وهو إفساد أخلاق الشباب، إفساد الانتماء على هذا الدين، لذلك نلاحظ أن الفضائيات بدأت تتسابق في عرض هذه المسلسلات على قنواتها، وتختار الأكثر منها إثارة وتحريفاً للغرائز والشهوات؛ لتكسب أكبر قدر ممكن من الدعاية، والإعلان، والربح المادي، والاستقطاب الجماهيري. هذا هو واقع ما يسمى اليوم بالمسلسلات المدبلجة إلى اللغة العربية، فيروسات قاتلة تنتقل على هذا المجتمع العربي والمسلم، تحمل إلينا ثقافة مستوردة هجينة، وسلوكاً مستنكراً لا يقر به شرع، ولا دين، ولا أخلاق. طبعاً أنا أعتبر من يتابع هذه المسلسلات هو يهدر وقته، ويضيّعه بما لا ينفع، بل بما يهدّم أخلاق الشباب والبنات، ويسيء إلى القيم الإسلامية العظيمة، وهو نوع من أنواع اللهو الحرام، اللهو غير المباح الذي حذّر الله - سبحانه وتعالى - منه بقوله:[]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ[] سورة المنافقون (9). فلا المال، ولا الأولاد، ولا الحياة ينبغي أن تشغلنا وتلهينا عن ذكر الله - سبحانه وتعالى - وطاعته.

¤ أين تكمن خطورة المسلسلات المدبلجة؟

الناس الآن ربما تنبّه بعضهم إلى خطر هذه المسلسلات المدبلجة التي سيطرت على عقول الشباب، وأحلام البنات، ربما تنبه البعض، وبدؤوا يفكرون بالخطر الذي ينتظر أبناءنا، وشبابنا، ومستقبلنا. قد يقول أحد الناس: "هناك مسلسلات عربية غبر مدبلجة فيها من هذه الإساءة". نعم. المسلسل العربي - أو ما يسمى بالدراما - العربية ظهر خيرها من شرها، واكتشفنا هذه الأمور منذ زمن، وأصبح الإنسان بعقله وفطرته يدرك النافع منها من الضار، ويدرك ما يضيّع وقته مما يستثمره في الخير، لكن هذه المسلسلات بدأت تغزو مجتمعنا العربي بشكل ظاهر، ونلاحظ أن هناك إقبالاً كبيراً عليها، أتدرون ما السبب في ذلك؟ السبب ظاهر وواضح، وهو أنت هذه المسلسلات تقوم على العري، والتحلل من القيم، والجرأة في العلاقات المشبوهة بين الرجال والنساء، وتكسر الحواجز في عالم الشباب والبنات، فهناك حاجز من الفضيلة، والحياء، والعفة، والطهارة، والنقاء... هذه الحواجز كُسرت، والآن كثير من الشباب يفكرون بأن يقيموا علاقات محرّمة وغير شرعية مع البنات؛ ليحققوا أحلامهم، وطموحاتهم، وتطلعاتهم... المسلسلات المدبلجة تقوم على الحب المحرم، وعلى الحمل من الزنا، وعلى المشاهد الغرامية، واللقطات الساخنة، والعلاقات غير الشرعية، مع شيء من التطاول على حرمة الدين، والدعوة إلى التخلي عن مبادئه، والعبث بالمسلّمات الإيمانية، وما عُلم من الدين بالضرورة... تحاول هذه المسلسلات أن تقضي على ذلك كله، وتنسخه من عقول شبابنا، وبناتنا، ونسائنا، ورجالنا، حتى إن الناس اليوم أصبحوا يتندرون بأسماء الممثل الفلاني، والممثلة الفلانية، وهل سيذهبون إلى الدولة الفلانية حتى نشاهدهم؟ لا أريد أن أذكر الأسماء؛ حتى لا أساهم بشهرة هؤلاء إضافة إلى انتشارهم الكبير.

¤ عوامل الجذب في المسلسلات المدبلجة:

أيها الإخوة! لقد رصدت بشيء من الدقة عوامل الجذب في المسلسلات المدبلجة، فتلخصت في أمور محددة وهي:

1- إغراق الشباب والبنات في الأحلام:

هذه المسلسلات تُغرق الشباب والبنات في الأحلام؛ أحلام السعادة، والتطلعات غير المشروعة. ونلاحظ أن أفكارها دائماً تداعب أحلام أبنائنا وشبابنا، فدائما ينتقل بطل المسلسل من الفقر إلى الثراء المفاجئ في ليلة وضحاها، ودائماً يحقق قفزات في الهواء، وكأنه (سوبرمان) زمانه! هذه الأشياء تجعل كثيراً منن الشباب يحلمون بمثل هذه الأمور، لكنّ أحلامهم هي أحلام اليقظة أي التي لا تنفع ولا تقدم ولا تؤخر.

2- المفاجآت غير المتواترة في الواقع:

سواء فيها أو فيما يسمى بالدراما العربية، حيث يُفاجَأ متابِعو هذه المسلسلات بالبطل يحقق أحلامه بشكل مفاجئ، وكذلك البطلة، وهذا يجعل الناس يتابعون بشكل مستمر.

3- الإثارة التشويق:

تعتمد هذه المسلسلات على التشويق والإثارة في التعبير، وفي الإيحاء، والإخراج، وفي الصورة البصرية، في المشاهد التي تبدو في الأفق؛ كالبحار، والجبال، والسيارات، والموتورات...

هذه الأشياء التي تُغري عالم الشباب والبنات، وقد سميتها الإثارة والتشويق؛ وهما العنصران الرئيسان اللذان يشدان كثيراً من الشباب والبنات ممن ضعفت هممهم، وسيطرت عليهم هذه المشاهد الإغرائية.

4- شدّ الناس بمظاهر الترف والعيش الرغيد:

تعتمد هذه المسلسلات على المناظر الطبيعية الخلابة، وعلى المنازل، والفيلّات الكبيرة، والفخمة، ذات الديكورات المتميزة التي تغري كثيراً من الناس، وتغرقهم في أحلام اليقظة، وهم يتمنون أن تكون لهم مثل هذه الفِلل، أو المزارع، أو الأماكن التي تجري فيها عمليات التصوير.

5- توافر صفات الإغراء في بطل المسلسل:

فغالباً ما يجعلون من أبطال المسلسل شباباً وبنات يمتلكون قدراً كبيراً من الجمال؛ حتى يشدوا الناس أكثر لمتابعة ذاك المسلسل، ماذا لبس البطل الفلاني؟ ما هي الأزياء التي خرجت فيها البطلة الفلانية؟؟؟ وهكذا...

6- تَوافُق وقت المسلسل مع وقت جلوس النساء في البيت:

إن أوقات بث هذه المسلسلات في الفضائيات يناسب تماماً النساء والبنات في البيوت، فتجد أن أكثر من يتابع المسلسلات هم من النساء، ولا أنكر أن هناك بعض الشباب، بل أكثر المتابعين من جيل الشباب، وأحدّد! إن سن الشباب هم أكثر من يتابع هذه المسلسلات، ويغرق بجحيمها، ويكتوي بنارها.

7- ظهور النساء بأشدّ مظاهر الفتنة:

وهو أخطر العوامل، فتبدو النساء بملابس فاضحة، قصيرة، ضيقة، شفافة، مع الزينة، وتسريح الشعر، وغير ذلك...

هذه هي - باختصار - مادة هذه المسلسلات المستوردة، التي تحمل إلينا ثقافة هجينة ما بين الشرق والغرب، وتحمل فِكْر الانحلال من الدين، والقيم، والأخلاق، والمبادئ، وتسعى لهدم ما تبقى من مروءة، وشهامة في نفوس الناس.

لذلك حينما نرى كثيراً من الناس يهدرون أوقاتهم في متابعة هذه المسلسلات، فإنهم يضيّعون أخص الخصائص التي نجح فيها الأوائل (سلَفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم)، ونحن في زمنٍ يتحقق فيه معنى كلام النبي صلى الله عليه وسلم: "يأتي على الناس زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر". فمَن منّا اليوم يستطيع أن يغلق التلفزيون عندما يُعرض المسلسل المدبلج، ويسيطر على نفسه أولاً، ثم على أولاده، وزوجته، وينقل هذه الرسالة إلى المجتمع، ويحاول أن يؤثر في جيرانه وإخوانه: قاطعوا هذه المسلسلات، لا تتابعوها؛ لأنها تحمل إلينا أفكاراً خبيثة، وستؤدي في المستقبل إلى ضياع كثير من القيم التي لا زلنا نحافظ عليها من مبادئ هذا الدين، وأخلاقنا، وسلوكياتنا التي نشأنا عليها، ودَرَجنا على الاهتمام بها منذ صغرنا بفضل الله سبحانه وتعالى.

^ التحذير من إضاعة الوقت:

هناك كثير من الناس غرقوا في هدر أوقاتهم، ولم يستثمروا هذه الأوقات فيما ينفع، لا في دينهم، ولا في دنياهم. وقد كان بعض السلف الصالح - رضي الله عنهم - يقول: "من كان يومه كأمسه فهو مغبون، ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون". فمن استوى فقد فاته خير كبير، فينبغي أن يكون يوم الإنسان خيراً من أمسه، وأن ينجز اليوم أكثر مما أنجز يوم أمس. أما إن كان يومه أشد شراً من أمسه فقد أصابته اللعنة من الله سبحانه وتعالى؛ لأنه ضيع الخير في يومين.

الإمام الحسن البصري - رحمه الله تعالى - كان يقول: "يا ابن آدم! إنما أنت أيام مجتمعة، كلما ذهب يومٌ ذهب بعضك". أي أنت أيها الإنسان تتشكل من أيام، فكلما ذهب يوم منك ذهب بعضك، إلى أن يصل الإنسان إلى القبر، وهو النهاية الحتمية لكل منا، كما قال الشاعر:

وما المرءُ إلا راكبٌ  ظهرَ  عمرهِ       عـلى سفرٍ يُفنيه باليومِ والشهرِ

يَبيتُ ويُضحي، كلَّ يومٍ وليـلةٍ       بعيـداً عن الدنيا، قريباً إلى القبرِ

كل إنسان يمشي بنفسه نحو القبر، فكلما تقدّمَ يوماً في عمره كلما تقدم يوماً إلى قبره. وهذا معنى كلام سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله - تعالى - عنه: "إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما". فالليل والنهار لن ينتظراك، فاغتنمهما، واستفد منهما، ولا تضيّع الأوقات بالتأجيل والتسويف. الحكماء يقولون: "الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك".  كثيراً ما نسمع في عصرنا عن الموت لأسباب مختلفة، فمثلاً يموت فلان بالجلطة الدماغية، أو السكتة القلبية، أو الذبحة الصدرية، أو بحادث سيارة، أو باحتراق في طائرة... فمن يتصور أنه ذاهب من بلد إلى بلد، وركب الطائرة، وودّع أهله أنه سيحترق ما بين السماء والأرض؟ والعياذ بالله تعالى. إذاً على الإنسان أن يغتنم هذا الوقت، وأن يتزود من أيامه لآخرته بالعلم، والعمل، والصلاح، والتقوى، والخير، وأن يتنبه إلى كل صغيرة وكبيرة في حياته، كما قال الشاعر:

تَزَوَّدْ من التقوى فإنَّـكَ لا تدري       إذا جَنَّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفـجرِ

فكمْ مِن سليمٍ ماتَ مِن غيرِ عِلَّـةٍ       وكمْ من سقيمٍ عاشَ حِيناً مِنَ الدهرِ

وكمْ مِن فتى يُضحي ويُصبحُ  آمناً      وقد نُسِجَتْ  أكفانُهُ، وهو لا يدري

لا أحد يعرف إذا جاء الليل أيصبح مع الأحياء أم مع الموتى؟ الآن نصلي على الجنازة، هل يصلى علينا غداً أو بعد غد؟ لا ندري ولا نعلم هذه الحقيقة. نسأل الله - تعالى - العفو والعافية.

^ الحثُّ على اغتنام الوقت في القرآن والسنة:

لقد حثّ سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس على اغتنام أوقاتهم، فكان كثيراً ما يقول: ((بادروا)) و ((اغتنموا))، حيث يقول في حديث: "بادروا بالأعمال الصالحة". سنن ابن ماجه. وفي حديث آخر: "اغتنم خمساً قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك". فتح الباري. هذه الدعوة من الرسول - صلى الله عليه وسلم - هي نفسها دعوة القرآن الكريم إلى المسارعة إلى الخيرات والمسابقة فيها. يقول الله تعالى:[]...فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ...[] سورة البقرة (148). وفي آية أخرى:[]وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ[] سورة آل عمران (133). آية أخرى تحث على فعل الخيرات:[]...وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ[] سورة المطففين (26). نحن لا نجد في القرن الكريم آية تدعو الإنسان إلى التسويف، أو تضييع الأوقات، وهدرها فيما لا ينفع، بل إن كل ما في القرآن يدعو إلى اغتنام الوقت، واستثماره، كما استثمره سلفنا الصالح رضي الله عنهم.

^ دعاء:

نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يجعلنا ممن يغتنمون أوقاتهم، ويستثمرونها فيما ينفع؛ حتى نجدها يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

 

 

 التعليقات: 0

 مرات القراءة: 2921

 تاريخ النشر: 09/07/2009

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 1453

: - عدد زوار اليوم

5421181

: - عدد الزوار الكلي
[ 70 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan